العيني

35

عمدة القاري

ولده عمر بن سعد على الجيش الذين قتلوا الحسين بن علي ومن معه ، وقال بعضهم : هو مردود لتكلفه بغير ضرورة تحمل على إرادة الضرر الصادر من ولده . قلت : لا ينظر فيه من هذا الوجه ، بل فيه معجزة من معجزات النبي صلى الله عليه وسلم حيث أخبر بذلك بالإشارة قبل وقوعه . وعن الطحاوي في ذلك وجه آخر ، وهو أنه روى من طريق بكير بن عبد الله بن الأشج عن أبيه : أنه سأل عامر بن سعد عن معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم هذا ، فقال : لما أمر سعدٌ على العراق أتى بقوم ارتدوا فاستتابهم ، فتاب بعضهم وامتنع بعضهم ، فانتفع به من تاب وحصل الضرر للآخرين . قوله : ( ولم يكن له يومئذ إلاَّ ابنة ) ، وفي رواية عائشة بنت سعد أن سعداً قال : ( ولا يرثني إلاَّ ابنة واحدة ) . قال النووي : معناه لا يرثني من الولد . أو من خواص الورثة أو من النساء ، وإلاَّ فقد كان لسعد عصبات ، لأنه من بني زهرة وكانوا كثيرين . وقيل : معناه لا يرثني من أصحاب الفروض . وقيل : خصها بالذكر على تقدير : لا يرثني ممن أخاف عليه الضياع والعجز إلاَّ هي . وقيل : ظن أنها ترث جميع المال ، وقيل : استكثر لها نصف التركة . فإن قلت : هل ذكر أحد من الشراح اسم هذه البنت ؟ قلت : ذكر بعضهم عن بعض المتأخرين أن اسمها : عائشة ، ثم قال : فإن كان هذا محفوظاً فهي غير عائشة بنت سعد التي روت هذا الحديث عند البخاري ، في الباب الذي يليه ، وفي الطب وهي تابعية عمرت حتى أدركها مالك ، وروى عنها ، وماتت سنة سبع عشرة ومائة ، لكن لم يذكر أحد من النسابين لسعد بنتاً تسمى عائشة غير هذه ، وذكروا أن أكبر بناته : أم الحكم الكبرى ، وأمها بنت شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة ، وذكروا له بنات أخرى أمهاتهن متأخرات الإسلام بعد الوفاة النبوية ، فالظاهر أن البنت المذكورة هي : أم الحكم ، المذكورة لتقدم تزويج سعد بأمها . انتهى ، وهذا أيضاً تخمين ، والله أعلم . ذكر ما يستفاد منه : قد ذكرنا أكثر ذلك في كتاب الجنائز في : باب رثاء النبي ، صلى الله عليه وسلم سعد بن خولة ، ولنذكر بعض شيء . وفيه : زيارة المريض للإمام فمن دونه . وفيه : دعاء الزائر للمريض بطول العمر . وفيه : الحث على صلة الرحم والإحسان إلى الأقارب ، وأن صلة الأقرب أفضل من صلة الأبعد . وفيه : الإنفاق في وجوه الخير ، لأن المباح إذا قصد به وجه الله ، صار طاعة ، وقد نبه على ذلك بأقل الحظوظ الدنيوية العادية ، وهو وضع اللقمة في فم الزوجة إذ لا يكون ذلك غالباً إلاَّ عند الملاعبة والممازحة ، ومع ذلك فهو يؤجر عليه إذا قصد به قصداً صحيحاً ، فكيف بما هو فوق ذلك ؟ وفيه : أن من لا وارث له يجوز له الوصية بأكثر من الثلث ، لقوله صلى الله عليه وسلم : ( أن تذر ورثتك أغنياء ) ، فمفهومه أن من لا وارث له لا يبالي بالوصية بما زاد على الثلث ) . وفيه : استدلال من يرى بالرد بقوله : ولا يرثني إلاَّ ابنة لي ، للحصر . واعترض عليه بعضهم بأن المراد من ذوي الفروض ، ومن قال بالرد لا يقول بظاهره ، لأنهم يعطونها فرضها ثم يردون عليها الباقي . وظاهر الحديث : أنها ترث الجميع ابتداء . انتهى . قلت : هذا عند ظنه أنها ترث الجميع ، والبنت الواحدة ليس لها إلاَّ النصف والباقي يكون بالرد بنص آخر ، وهو قوله تعالى : * ( وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض ) * ( الأنفال : 57 ) . يعني : بعضهم أولى بالميراث بسبب الرحم ، والله أعلم . 3 ( ( بابُ الوَصِيَّةِ بالثُّلْثِ ) ) أي : هذا باب في بيان جواز الوصية بالثلث . وقالَ الحَسَنُ لا يَجُوزُ للذِّمِّيِّ وصِيَّةٌ إلاَّ الثُّلُثَ الحسن هو البصري أراد أن الذمي إذا أوصى بأكثر من ثلث ماله لا يجوز ، وأما المسلم إذا أوصى بأكثر من ثلث ماله ، فإن لم يكن له ورثة جاز ، وإن كانت له ورثة فإن جازوا جازت الوصية ، وإن ردوا بطلت الوصية . وقال مالك والشافعي وأحمد : لا يجوز إلاَّ في الثلث . ويوضع الثلثان لبيت المال . وقال ابن بطال : أراد البخاري بهذا الرد على من قال كالحنفية بجواز الوصية بالزيادة على الثلث لمن لا وارث له ، ولذلك احتج بقوله تعالى : * ( وأن أحكم بينهم بما أنزل الله ) * ( المائدة : 94 ) . والذي حكم به النبي ، صلى الله عليه وسلم من الثلث هو الحكم بما أنزل الله ، فمن تجاوز ما حده فقد أتى ما نهى عنه ، ورد عليه بأن البخاري لم يرد هذا ، وإنما أراد الاستشهاد بالآية على أن الذمي إذا تحاكم إلينا ورثته لا تنفذ من وصيته إلاَّ الثلث ، لأنا لا نحكم فيهم إلاَّ بحكم