العيني
261
عمدة القاري
عن الذراري ، وفي بعضها : سئل عن ذراري المشركين ، ونقل القاضي هذه عن رواية جمهور رواة ( صحيح مسلم ) قال : وهي الصواب ، فأما الرواية الأولى فقال : ليست بشيء ، بل هي تصحيف . قال : وما بعده يبين غلطه . وقال النووي : وليست باطلة كما ادعى القاضي ، بل لها وجه ، وتقديره : سئل عن حكم صبيان المشركين الذين يبيتون فيصاب من نسائهم وصبيانهم بالقتل ، فقال : هم من آبائهم ، أي : لا بأس بذلك ، لأن أحكاما البلد جارية عليهم في الميراث وفي النكاح وفي القصاص والديات وغير ذلك ، والمراد إذا لم يتعمد من غير ضرورة . قوله : ( يبيتون ) ، على صيغة المجهول ، وقعت حالاً عن أهل الدار من التبييت ، وهو أن يغار عليهم بالليل بحيث لا يعرف رجل من امرأة . قوله : ( من المشركين ) ، بيان الدار . قوله : ( فيصاب من نسائهم وذراريهم ) ، وفي رواية مسلم : إنا نصيب في البيات من ذراري المشركين ، كما مر ، وقال النووي : والمراد بالذراري هنا النساء والصبيان . قلت : كيف يراد من الذراري النساء ، وهذا كما رأيت في رواية البخاري عطف الذراري على النساء ؟ قوله : ( هم منهم ) أي : النساء والذراري من أهل الدار من المشركين . فإن قلت : هذا يخالف ما ذكره البخاري فيما بعد عن ابن عمر : نهى عن قتل النساء والصبيان ، وما رواه مسلم عن بريدة : اغزوا فلا تقتلوا وليداً ، وسيروا ولا تمثلوا . وما رواه الترمذي عن سمرة : اقتلوا شيوخ المشركين واستبقوا شرخهم . وقال : حسن صحيح غريب ، وما رواه النسائي عن ابن عباس : أن رسول الله ، صلى الله عليه وسلم لم يقتلهم فلا يقتلهم بقوله لنجدة الحروري ، وما رواه أبو داود والنسائي من حديث رياح بكسر الراء وبالياء آخر الحروف : ابن الربيع ، وفيه : فقال الخالد ، رضي الله تعالى عنه ، لا تقتلن امرأة ولا عسيفاً . وما رواه أحمد من حديث الأسود بن سريع ، وفيه ألاَ لا تقتلوا ذرية ألا لا تقتلوا ذرية ، وما رواه أحمد أيضاً من حديث ابن عباس ، وفيه : ولا تقتلوا الولدان ولا أصحاب الصوامع ، وما رواه الطبراني في ( الأوسط ) من حديث أبي سعيد الخدري ، قال : نهى رسول الله ، صلى الله عليه وسلم عن قتل النساء والصبيان ، وقال : هما لمن غلب . وما رواه أيضاً من حديث أبي ثعلبة الخشني ، قال : نهى رسول الله ، صلى الله عليه وسلم عن قتل النساء والولدان . وما رواه أبو داود من حديث أنس وفيه : لا تقتلوا شيخاً فانياً ولا طفلاً ولا صغيراً ولا امرأة ، وما رواه أبو يعلى الموصلي من حديث جرير بن عبد الله ، وفيه : ولا تقتلوا الولدان . وما رواه البزار في ( مسنده ) من حديث ابن عمر ، وفيه : لا تقتلوا وليداً . وما رواه أيضاً من حديث عوف ابن مالك ، وفيه : لا تقتلوا النساء . وما رواه أحمد في ( مسنده ) من حديث ثوبان مولى رسول الله ، صلى الله عليه وسلم أنه سمع رسول الله ، صلى الله عليه وسلم يقول : من قتل صغيراً أو كبيراً أو أحرق نخلاً أو قطع شجرة مثمرة أو ذبح شاةً لأهلها لم يرجع كفافاً . وما رواه الطبراني من حديث كعب : أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن قتل النساء والولدان . قلت : قال الخطابي : قوله : ( هم منهم ) يريد في حكم الدين ، فإن ولد الكافر محكوم له بالكفر ، ولم يرد بهذا القول إباحة دمائهم تعمداً لها ، وقصداً إليها ، وإنما هو إذا لم يمكن الوصول إلى الآباء إلاَّ بهم ، فإذا أصيبوا لاختلاطهم بالآباء لم يكن عليهم في قتلهم شيء ، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قتل النساء والصبيان ، فكان ذلك على القصد لا قتال فيهن ، فإذا قاتلهن فقد ارتفع الحظر وأحل دماء الكفار إلاَّ بشرط الحقن . ولما روى الترمذي حديث ابن عمر الذي فيه : نهى عن قتل النساء والصبيان ، على ما يأتي ، إن شاء الله تعالى ، قال : والعمل على هذا عند بعض أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم ، كرهوا قتل النساء والولدان ، وهو قول الثوري والشافعي . ورخص بعض أهل العلم في البيات ، وقتل النساء فيهم والولدان ، وهو قول أحمد وإسحاق . وقال شيخنا : وما حكاه الترمذي عن الثوري والشافعي من كراهة قتل النساء والصبيان ظاهر في ترك القتل مطلقاً في البيات وغيره ، وليس كذلك . أما قتلهم في غير البيات فأجمعوا على تحريمه إذا لم يقاتلوا ، كما حكاه النووي في ( شرح مسلم ) ، فإن قاتلوا فقال في ( شرح مسلم ) حكاية عن جماهير العلماء : يقتلون ، وقال الطحاوي ، رحمه الله تعالى : باب ما نهى عن قتله من النساء والولدان في دار الحرب ، ثم أخرج عن تسعة أنفس من الصحابة في النهي عن قتل الولدان والنسوان ، وقد مرت أحاديث أكثرهم عن قريب ، ثم قال : فذهب قوم إلى أنه لا يجوز قتل النساء والولدان في دار الحرب على كل حال ، وأنه لا يحل أن يقصد إلى قتل غيرهم إذا كان لا يؤمن في ذلك تلفهم ، من ذلك أن أهل الحرب إذا تترسوا بصبيانهم وكان المسلمون لا يستطيعون رميهم إلاَّ بإصابة صبيانهم فحرام عليهم رميهم في قول هؤلاء ، وكذلك إن تحصنوا بحصن وجعلوا فيه الولدان ، فحرام عليهم رمي ذلك الحصن عليهم إذا كنا نخاف في ذلك تلف نسائهم