العيني
262
عمدة القاري
وولدانهم ، واحتجوا في ذلك بهذه الأحاديث التي رويناها . قلت : أراد بالقوم هؤلاء : الأوزاعي ومالكاً والشافعي ، في قول وأحمد في رواية . وقال أبو عمر : اختلفوا في رمي الحصون بالمنجنيق إذا كان فيها أطفال المشركين أو أسارى المسلمين ، فقال مالك : لا يرمى الحصن ولا تحرق سفينة الكفار إذا كان فيها أسارى المسلمين : قال الأوزاعي : إذا تترس الكفار بأطفال المسلمين لم يرموا ولا تحرق المركب الذي فيه أسارى المسلمين . وقال الثوري وأبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد والشافعي في ( الصحيح ) وأحمد وإسحاق : إذا كان لا يوصل إلى قتلهم إلاَّ بتلف الصبيان والنساء فلا بأس به . وقال أبو عمر : قال أبو حنيفة وأصحابه والثوري : لا بأس برمي حصون المشركين وإن كان فيها أسارى من المسلمين وأطفالهم ، أو أطفال المشركين ، ولا بأس أن تحرق السفن ويقصد به المشركون ، فإن أصابوا واحداً من المسلمين بذلك فلا دية ولا كفارة . وقال الثوري : إن أصابوه ففيه الكفارة ولا دية . قوله : ( وسمعته يقول ) ، أي : قال الصعب بن جثامة : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم ، يقول . . ويروى : فيقول ، وهي رواية أبي ذر ، وبالواو أظهر . قوله : ( لا حمى إلاَّ لله ولرسوله ) ، هذا حديث مستقل مضى في كتاب المساقاة في : باب لا حمى إلاَّ لله ولرسوله ، أخرجه عن يحيى بن بكير عن الليث عن يونس عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة ابن مسعود عن ابن عباس : أن الصعب بن جثامة ، قال : إن رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ( لا حمى إلاَّ لله ولرسوله ) وقد مضى الكلام فيه هناك . فإن قلت : ما وجه ذكر هذا الحديث في أثناء حديث الباب ؟ قلت : كانوا يحدثون بالأحاديث على نحو ما كانوا يسمعونها ، وقيل : هذا يشبه أن يكون شبيهاً بما روي عن أبي هريرة ، رضي الله تعالى عنه : ( نحن الآخرون السابقون ) ، ثم وصله بحديث آخر ليس فيه شيء من معناه كما ذكرناه . قوله : ( وعن الزهري ) ، موصول بالإسناد الأول : حدثنا الصعب في الذراري . . . أشار بهذا إلى أن في هذه الرواية عن الزهري عن عبيد الله عن ابن عباس . قوله : ( حدثنا الصعب في الذراري ) ، أشار بهذا إلى أن في هذه الرواية عن الزهري عن عبيد الله عن ابن عباس : حدثنا الصعب في الذراري أي : سئل صلى الله عليه وسلم ، عن الذراري ، وكذا وقع في بعض النسخ لمسلم : سئل عن الذراري ، وقد ذكرنا عن قريب عن النووي أنه قال : المراد بالذراري هنا النساء والصبيان . قوله : ( كان عمرو ) ، يحدثنا أي : قال سفيان بن عيينة : كان عمرو بن دينار يحدثنا عن ابن شهاب ، وهو الزهري عن النبي صلى الله عليه وسلم ، مرسلاً ، وقال بعضهم في سياق هذا الباب عن الزهري عن النبي صلى الله عليه وسلم : يوهم أن رواية عمرو بن دينار عن الزهري هكذا بطريق الإرسال ، وبذلك جزم بعض الشراح ، وليس كذلك ، فقد أخرجه الإسماعيلي من طريق العباس بن يزيد حدثنا سفيان ، قال : كان عمرو يحدثنا قبل أن يقدم الزهري عن الزهري عن عبيد الله عن ابن عباس عن الصعب بن جثامة ، قال : فقدم علينا الزهري فسمعته يعيده ويبديه ، فذكر الحديث . انتهى . قلت : أراد ببعض الشراح الكرماني ، فإنه قال : إنه مرسل ، والصواب معه ، فإن صورة ما وقع هنا صورة الإرسال ، ولا نزاع في ذلك بحسب الظاهر ، ولا يندفع صورة الإرسال هنا بإخراج الإسماعيلي كما ذكره . قوله : ( ولم يقل كما قال عمرو : هم من آبائهم ) ، بيان هذا الموضع هو : أن سفيان بن عيينة قال : كان عمرو بن دينار يحدثنا بهذا الحديث عن الزهري مرسلاً عن النبي صلى الله عليه وسلم ، أنه قال : هم من آبائهم ، فسمعناه بعد ذلك من الزهري أنه قال : أخبرني عبيد الله عن ابن عباس ، عن الصعب عن النبي صلى الله عليه وسلم ، أنه قال : هم منهم ، ولم يقل كما قال عمرو : من آبائهم . وقال الترمذي : حدثنا نصر بن علي الجهضمي حدثنا سفيان بن عيينة عن الزهري عن عبيد الله ابن عبد الله عن ابن عباس ، قال : أخبرني الصعب بن جثامة ، قال : قلت : يا رسول الله ! إن خيلنا وطئت من نساء المشركين وأولادهم ؟ قال : ( هم من آبائهم ) ، هذا حديث حسن صحيح ، وقد أخرج ابن حبان في حديث الصعب زيادة في آخره ، ثم نهى عنه يوم حنين ، وأشار الزهري إلى نسخ حديث الصعب ، وحكي الحازمي قولاً بجواز قتل النساء والصبيان على ظاهر حديث الصعب ، وزعم أنه ناسخ لأحاديث النهي وهو غريب . قلت : حديث رياح بن الربيع ، الذي مر عن قريب ، يدل على أن النهي كان متأخراً عن حديث الصعب ، لأن خالداً ، رضي الله تعالى عنه ، إنما كان مع النبي صلى الله عليه وسلم ، مقاتلاً سنة ثمان . والله تعالى أعلم .