العيني

201

عمدة القاري

والحديث بون عظيم ، على أن الأوصاف المذكورة فيه وفي الحديث الذي بعده كلها أوصاف الترك ، فإذا كان الترك أجناساً كثيرة لا يلزم أن ينتعل كلهم نعال الشعر ، وأما بابك الذي ذكره فهو بباءين موحدتين مفتوحتين ، وفي آخره كاف يقال له بابك الخرمي ، بضم الخاء المعجمة وتشديد الراء المفتوحة ، وكان قد أظهر الزندقة وتبعه طائفة فقويت شوكته في أيام المأمون وغلبوا على بلاد كثيرة من بلاد العجم إلى أن قتل في أيام المعتصم في سنة اثنتين وعشرين ومائتين ، وكان خروجه في سنة إحدى ومائتين . قوله : ( عراض الوجوه ) ، قال ابن قرقول : أي : سعتها . قوله : ( المجان ) ، بفتح الميم وتشديد النون جمع : مجن ، بكسر الميم وهو الترس . قوله : ( المطرقة ) ، بضم الميم وسكون الطاء المهملة وفتح الراء . قال الخطابي : هي التي ألبست الأطرقة من الجلود ، وهي الأعشية منها شبه عرض وجوههم ونتوء وجناتهم بظهور الترس ، والأطرقة جمع طراق ، وهو جلدة تقدر على قدر الدرقة وتلصق عليها . وقال القاضي البيضاوي : شبه وجوههم بالترس لبسطها وتدويرها ، وبالمطرقة لغلظها وكثرة لحمها . وقال الهروي : المجان المطرقة هي التي أطرقت بالعصب أي ألبست به . وقيل : المطرقة هي التي ألبست الطراق وهو الجلد الذي يغشاه ويعمل هذا حتى يبقى كأنه ترس على ترس ، وقال ابن قرقول : قال بعضهم الأصوب فيه المطرقة ، بتشديد الراء ، وهو ما ركب بعضه فوق بعض . فإن قلت : هذا الخبر من جملة معجزات النبي صلى الله عليه وسلم حيث أخبر عن أمر سيكون ، فهل وقع هذا أم سيقع ؟ قلت : قد وقع بضع ذلك على ما أخبر به رسول الله ، صلى الله عليه وسلم في سنة سبع عشرة وستمائة ، وقد خرج جيش عظيم من الترك فقتلوا أهل ما وراء النهر وما دونه من جميع بلاد خراسان ، ولم ينج منهم إلاَّ من اختفى في المغارات والكهوف ، فهتكوا في بلاد الإسلام إلى أن وصلوا إلى بلاد قهستان ، فخربوا مدينة الري وقزوين وأبهر وزنجان وأردبيل ومراغة كرسي بلاد إذربيجان واستأصلوا شأفة من في هذه البلاد من سائر الطوائف ، واستباحوا النساء وذبحوا الأولاد ، ثم وصلوا إلى العراق الثاني ، وأعظم مدنه مدينة أصفهان ، وقتلوا فيها من الخلائق ما لا يحصى ، وربطوا خيولهم إلى سواري المساجد والجوامع ، كما جاء في الحديث . وروى أبو داود الطيالسي من حديث عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه ، قال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : لينزلن طائفة من أمتي أرضاً يقال لها البصرة ، فيجيء بنو قنطوراء عراض الوجوه صغار العيون حتى ينزلوا على جسر لهم يقال له دجلة ، فيفترق المسلمون ثلاث فرق : أما فرقة فتأخذ بأذناب الإبل فتلحق بالبادية فهلكت ، وأما فرقة فتأخذ على أنفسها فكفرت ، فهذه وذلك سواء ، وأما فرقة فيجعلون عيالاتهم خلف ظهورهم ويقاتلون ، فقتلاهم شهيد ، ويفتح الله على بقيتهم . وروى البيهقي من حديث بريدة : إن أمتي يسوقها قوم عراض الوجوه ، كأن وجوههم الجحف ، ثلاث مرات حتى يلحقوهم بجزيرة العرب ، قالوا : يا نبي الله ! من هم ؟ قال : الترك ، والذي نفسي بيده ليربطن خيولهم إلى سواري مساجد المسلمين . 8292 حدَّثنا سَعِيدُ بنُ مُحَمَّدٍ قال حدَّثنا يَعْقُوبُ قال حدَّثنا أبي عن صالِحٍ عنِ الأعْرَجِ قال قال أبو هُرَيْرة رضي الله تعالى عنهُ قال رسولُ الله ، صلى الله عليه وسلم لا تقُومُ السَّاعَةُ حتَّى تُقاتِلُوا التُّرْكَ صغَارَ الأعْيُنِ حُمْرَ الوجُوهِ ذُلْفَ الأنُوفِ كأنَّ وُجُوهَهُمُ المَجانُّ المُطْرَقَةُ ولاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تُقَاتِلُوا قَوْمَاً نِعَالُهُمُ الشَّعَرُ . . مطابقته للترجمة أظهر من مطابقة الحديث السابق ، لأن فيه التصريح بلفظ الترك . وسيد بن محمد أبو عبد الله الجرمي الكوفي المتشيع ، ويعقوب بن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف ، أصله مدني سكن بالعراق ، يروي عن أبيه إبراهيم المذكور ، وصالح هو ابن كيسان ، والأعرج هو عبد الرحمن بن هرمز . قوله : ( ذلف الأنوف ) ، بضم الذال المعجمة جمع : الأذلف ، وهو صغر الأنف مستوى الأرنبة ، وهو الفطس . وقيل : قصر الأنف وانبطاحه ، ورواه بعضهم بدال مهملة ، وقال ابن قرقول : وقيدناه بالوجهين ، وبالمعجمة أكثر . وقيل : تشمير الأنف عن الشفة ، وعن ابن فارس : الذلف الاستواء في طرف الأنف ، والعرف تقول : أملح النساء الذلف ، والأنوف جمع أنف مثل : فلس وفلوس ، ويجمع على أنف وإناف . وفي ( المخصص ) : هو جمع المنخر ، وسمي أنفاً لتقدمه .