العيني

150

عمدة القاري

طويل من لسان ، وإنما قلنا : إنه متروك الظاهر لأجل قوله صلى الله عليه وسلم : ( لا طيرة ) ، وهي نكرة في سياق النفي ، فتعم الأشياء التي يتطير بها ، ولو خلينا الكلام على ظاهره لكانت هذه الأحاديث ينفي بعضها بعضاً . وهذا محال أن يظن بالنبي صلى الله عليه وسلم مثل هذا الاختلاف من النفي والإثبات ، في شيء واحد ، ووقت واحد . والمعنى الصحيح في هذا الباب نفي الطيرة بأسرها بقوله : ( لا طيرة ) ، فيكون قوله ، عليه الصلاة والسلام : ( إنما الشؤم في ثلاثة ) بطريق الحكاية عن أهل الجاهلية لأنهم كانوا يعتقدون الشؤم في هذه الثلاثة ، لا أن معناه : أن الشؤم حاصل في هذه الثلاثة في اعتقاد المسلمين ، وكانت عائشة ، رضي الله تعالى عنها ، تنفي الطيرة ولا تعتقد منها شيئاً حتى قالت لنسوة كن يكرهن الابتناء بأزواجهن في شوال : ( ما تزوجني رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، إلاَّ في شوال ، ولا بنى بي إلاَّ في شوال ، فمن كان أحظى مني عنده ؟ وكان يستحب أن يدخل على نسائه في شوال ) . وروى الطحاوي عن علي بن معبد ، قال : حدثنا يزيد بن هارون قال : أخبرنا همام ابن يحيى عن قتادة عن أبي حسان ، قال : دخل رجلان من بني عامر على عائشة ، فأخبراها أن أبا هريرة يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( الطيرة في المرأة والدار والفرس ) ، فغضبت وطارت شقة منها في السماء وشقة في الأرض ، فقالت : والذي نزل القرآن على محمد صلى الله عليه وسلم ما قاله رسول الله ، صلى الله عليه وسلم قط ، إنما قال : ( إن أهل الجاهلية كانوا يتطيرون من ذلك ) ، فأخبرت عائشة أن ذلك القول كان من النبي صلى الله عليه وسلم حكاية عن أهل الجاهلية ، لا أنه عنده كذلك . وأخرجه أيضاً ابن عبد البر عن أبي حسان المذكور وفي روايته : كذاب ، والذي أنزل القرآن . . . وفي آخره ، ثم قرأت عائشة : * ( ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلاَّ في كتاب ) * ( الحديد : 22 ) . الآية . قلت : أبو حسان الأعرج ، ويقال الأجرد واسمه : مسلم بن عبد الله البصري ، وثقه يحيى وابن حبان وروى له الجماعة والبخاري مستشهداً . قوله : طارت شقة ، أي : قطعة ، ورواه بعض المتأخرين : بالسين المهملة ، وأراد به المبالغة في الغضب والغيظ . وقال أبو عمر : قول عائشة في أبي هريرة كذب ، فإن العرب تقول : كذبت إذا أرادوا به التغليظ ، ومعناه : أوهم وظن حقاً ونحو هذا . وهنا جواب آخر : وهو أنه يحتمل أن يكون قوله صلى الله عليه وسلم : ( الشوم في ثلاثة ) ، كان في أول الإسلام خبراً عما كان تعتقده العرب في جاهليتها على ما قالت عائشة ، ثم نسخ ذلك وأبطله القرآن والسنن ، وأخبار الآحاد لا تقطع على عينها ، وإنما توجب العمل فقط . وقال تعالى : * ( قل لن يصيبنا إلاَّ ما كتب الله لنا هو مولينا ) * ( التوبة : 9 ) . وقال * ( ما أصاب من مصيبة في الأرض . . . ) * ( الحديد : 9 ) . الآية ، وما خط في اللوح المحفوظ لم يكن منه بد ، وليست البقاع ولا الأنفس بصارفة من ذلك شيئاً . وقد يقال : إن شؤم المرأة أن تكون سيئة الخلق ، أو تكون غير قانعة ، أو تكون سليطة ، أو تكون غير ولود . وشؤم الفرس أن يكون شموساً . وقيل : ( أن لا يكون يغزى عليها ) . وشؤم الدار أن تكون ضيقة ، وقيل : ( أن يكون جارها سوء ) وروى الدمياطي بإسناد ضعيف في الخيل : إذا كان ضروباً فهو مشئوم ، وإذا حنت المرأة إلى زوجها الأول فهي مشؤومة ، وإذا كانت الدار بعيدة من المسجد لا يسمع منها الأذان فهي مشؤمة . فإن قلت : روى مالك في ( موطئة ) عن يحيى ابن سعيد أنه قال : جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول الله ! دار سكناها ، فالعدد كثير والمال وافر ، فقل العدد وذهب المال فقال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : ( دعوها ذميمة ) . قلت : إنما قال ذلك كذلك لما رأى منهم أنه رسخ في قلوبهم ما كانوا عليه في جاهليتهم ، ثم بين لهم ولغيرهم ولسائر أمته الصحيح . بقوله : ( لا طيرة ولا عدوى ) ، وقال الخطابي : يحتمل أن يكون أمرهم بتركها والتحول عنها إبطالاً لما وقع في قلوبهم منها من أن يكون المكروه إنما أصابهم بسبب الدار سكناها فإذا تحولوا منها انقطعت مادة ذلك الوهم ، وقد أخرج الترمذي من حديث حكيم بن معاوية قال : سمعت رسول الله ، صلى الله عليه وسلم يقول : ( لا شؤم ، وقد يكون اليمن في المرأة والدار والفرس ) . قلت : في إسناده ضعف ، وروى أبو نعيم في كتاب ( الحلية ) من حديث خبيب بن عبيد عن عائشة ، قال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : ( الشؤم سوء الخلق ) ، فإن قلت : ما الفرق بين الدار وبين موضع الوباء الذي منع من الخروج منه ؟ قلت : ما لم يقع التأذي به ولا اطردت عادته به خاصة ولا عامة ، ولا نادرة ولا متكررة لا يصغي إليه ، وقد أنكر الشارع الالتفات إليه . كلقي غراب في بعض الأسفار ، أو صراخ بومة في دار ، ففي مثل هذا قال ، صلى الله عليه وسلم : ( لا طيرة ولا تطير ) ، وأيضاً إنه لا يفر منه لإمكان أن يكون قد وصل الضرر إلى الفار ، فيكون سفره زيادة في محنته وتعجيلاً لهلكته .