العيني
86
عمدة القاري
تابَعَهُ حَجَّاجُ بنُ حَجَّاجٍ وأبانُ ومُوسى بنُ خَلَفٍ عنْ قَتادَةَ اخْتَصَرَهُ شُعْبَةُ أي : تابع سعيد بن أبي عروبة في روايته عن قتادة حجاج بن حجاج ، على وزن فعال ، بالتشديد فيهما : الأسلمي الباهلي البصري الأحول ، أراد البخاري بذكر متابعة هؤلاء الرد على من زعم أن الاستسعاء في هذا الحديث غير محفوظ ، وأن سعيد بن أبي عروبة تفرد به ، فاستظهر له بمتابعة هؤلاء المذكورين . أما رواية حجاج بن حجاج فهي في نسخة رواها أحمد بن حفص أحد شيوخ البخاري عن أبيه عن إبراهيم بن طهمان عنه ، وكذلك رواه حجاج بن أرطأة عن قتادة فقد أخرجها الطحاوي ، وقال : حدثنا روح بن الفرج ، قال : حدثنا يوسف بن عدي ، قال : حدثنا عبد الرحمن بن سليمان الرازي عن حجاج بن أرطأة عن قتادة ، فذكر مثله ، أي : مثل رواية سعيد بن أبي عروبة عن قتادة ، وقد ذكر آنفاً . وأما رواية أبان ، فقد أخرجها أبو داود : حدثنا مسلم بن إبراهيم ، قال : حدثنا أبان ، قال : حدثنا قتادة عن النضر بن أنس عن بشير ابن نهيك عن أبي هريرة قال : قال النبي ، صلى الله عليه وسلم : ( من أعتق شقيصاً في مملوكه فعليه أن يعتقه كله إن كان له مال ، وإلاَّ استسعى العبد غير مشقوق عليه ) . ورواه النسائي أيضاً والطحاوي . وأما رواية موسى بن خلف فقد أخرجها الخطيب في كتاب ( الفصل للوصل ) من طريق أبي ظفر عبد السلام بن مطهر عنه عن قتادة عن النضر ، ولفظه : ( من أعتق شقصاً له في مملوك فعليه خلاصه إن كان له مال ، فإن لم يكن له مال استسعى غير مشقوق عليه ) . وموسى بن خلف ، بالخاء المعجمة واللام المفتوحتين : العمي ، بفتح العين المهملة وتشديد الميم : كان يعد البدلاء . وأما من رواية شعبة فأخرجها مسلم والنسائي من طريق غندر عن قتادة بإسناده ولفظه عن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، في المملوك بين الرجلين فيعتق أحدهما نصيبه ، قال : يضمن . 6 ( ( بابُ الخَطَإ والنِّسْيانِ في العَتَاقَةِ والطَّلاقِ ونَحْوِهِ ) ) أي : هذا باب في بيان حكم الخطأ والنسيان في العتق والطلاق ، والخطأ ضد العمد ، فقال الجوهري : الخطأ نقيض الصواب ، وقد يمد ، وقرئ بهما في قوله تعالى : * ( ومن قتل مؤمناً خطأ ) * ( النساء : 29 ) . تقول : أخطأت وتخطأت ، بمعنى واحد ، ولا يقال : أخطيت ، وقال ابن الأثير : وأخطأ يخطئ : إذا سلك سبيل الخطأ عمداً أو سهواً ، ويقال : خطىء بمعنى أخطأ أيضاً ، وقيل : خطىء إذا تعمد ، وأخطأ إذا لم يتعمد ، ويقال لمن أراد شيئاً ففعل غيره أو فعل غير الصواب : أخطأ . والنسيان خلاف الذكر والحفظ ، ورجل نسيان ، بفتح النون : كثير النسيان للشيء ، وقد نسيت الشيء نسياناً ، وعن أبي عبيدة : النسيان الترك ، قال تعالى : * ( نسوا الله فنسيهم ) * ( التوبة : 76 ) . وقد ذكرت في ( شرح معاني الآثار ) الذي ألفته : أن الخطأ في الاصطلاح هو الفعل في غير قصد تام ، والنسيان معنى يزول به العلم من الشيء مع كونه ذاكراً لأمورٍ كثيرة ، وإنما قيل ذلك احترازاً عن النوم والجنون والإغماء ، وقيل : النسيان عبارة عن الجهل الطارىء ، ويقال ؛ المأتى به إن كان على جهة ما ينبغي فهو الصواب ، وإن كان لا على ما ينبغي نظر ، فإن كان مع قصد من الآتي به يسمى الغلط ، وإن كان من غير قصد منه ، فإن كان يتنبه بإيسر تنبيه يسمى السهو ، وإلاَّ يسمى الخطأ . قوله : ( ونحوه ) ، أي : نحو ما ذكر من العتاقة والطلاق من الأشياء التي يريد الرجل أن يتلفظ بشيء منها . فيسبق لسانه إلى غيره ، وقال بعضهم : ( ونحوه ) ، أي : من التعليقات . قلت : هذا التفسير ليس بظاهر ولا له معنىً يفيد صورة الخطأ في العتاق إن أراد التلفظ بشيء فسبق لسانه ، فقال لعبده : أنت حر ، وكذلك في الطلاق ، قال لامرأته : أنت طالق ، بعد أن أراد التلفظ بشيء ، وقال أصحابنا : طلاق الخاطىء والناسي والهازل واللاعب والذي يكلم به من غير قصد واقع ، وصورة الناسي فيما إذا حلف ونسي ، وقال الداودي : النسيان لا يكون في الطلاق ولا العتاق إلاَّ أن يريد أنه حلف بهما على فعل شيء ثم نسي يمينه وفعله ، فهذا إنما يوضع فيه النسيان إذا لم يذكر فيه يمينه ، كما توضع الصلاة عمن نسيها إذا لم يذكرها حتى يموت ، وكذلك ديون الناس وغيرها لا يأثم بتركها ناسياً . قال ابن التين : هذا من الداودي على مذهب مالك ، رحمه الله تعالى . وفي ( التوضيح ) : وقد اختلف العلماء في الناسي في يمينه : هل يلزمه حنث أم لا ؟ على قولين : أحدهما : لا ، وهو قول عطاء وأحد قولي الشافعي ، وبه قال إسحاق ، وإليه ذهب البخاري في الباب . وثانيهما : وهو قول الشعبي وطاووس : من أخطأ في الطلاق فله نيته ، وفيه قول ثالث : يحنث في الطلاق خاصة ، قاله أحمد ، وذهب مالك والكوفيون إلى أنه يحنث في الخطأ أيضاً ، وادعى ابن بطال أنه الأشهر