العيني
87
عمدة القاري
عن الشافعي ، وروي ذلك عن أصحاب ابن مسعود . واختلف ابن القاسم وأشهب فيما إذا دعا رجل عبداً يقال له ناصح ، فأجابه عبد يقال له مرزوق ، فقال له : أنت حر ، وهو يظن الأول ، وشهد عليه بذلك ، فقال ابن القاسم : يعتقان جميعاً : مرزوق بمواجهته بالعتق ، وناصح بما نواه ، وأما فيما بينه وبين الله فلا يعتق إلاَّ ناصح . وقال ابن القاسم : إن لم يكن له عليه بينة لم يعتق إلاَّ الذي نوى ، وقال أشهب : يعتق مرزوق فيما بينه وبين الله تعالى ، وفيما بينه وبين الله لا يعتق ناصح ، لأنه دعاه ليعتقه فأعتق غيره وهو يظنه مرزوقاً . ولاَ عَتَاقَةَ إلاَّ لِوَجْهِ الله تعالى روى الطبراني من حديث ابن عباس مرفوعاً : لا طلاق إلاَّ لعدة ، ولا عتاق إلاَّ لوجه الله ، ومعنى : لا عتاقة إلاَّ لوجه الله ، أي : لذات الله أو لجهة رضاء الله ، قيل : أراد البخاري بإيراد هذا الرد على الحنفية في قولهم : إذا قال الرجل لعبده : أنت حر للشيطان أو للصنم ، فإنه يعتق لصدوره من أهله مضافاً إلى محله عن ولاية فنفذ ، ولغت تسمية الجهة وكان عاصياً بها . والجواب عنه من وجهين : أحدهما : تصحيح الحديث المذكور ، والآخر : بعد التسليم أن المراد به أن يكون نية المعتق الإخلاص فيها ، لأن الأعمال بالنيات ، فإذا لم يكن خالصاً في نيته يكون عاصياً بذكر غير الله ، كما ذكرنا ، وترك هذا لا يمنع وقوع العتق لقضية : أنت حر ، والباقي لغو . وقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم لكُلِّ امْرِىءٍ ما نَوَى هذا قطعة من حديث عمر بن الخطاب ، رضي الله تعالى عنه ، قد مر في أول الكتاب بلفظ : ( وإنما لكل امرئ ما نوى ) . وأورده في أواخر كتاب الإيمان : ( ولكل امرئ ما نوى ) . فإن قلت : ما مراده من ذكر هذه القطعة ههنا ؟ قلت : كأنه أراد به تأكيد ما سبق من عدم وقوع العتاق إذا كان لغير وجه الله ، لأن الأعمال بالنيات ، ولكنه لا يفيد شيئاً ، لأن النية أمر مبطن ووقوع الإعتاق غير متوقف عليه ، بل الوقوع بمقتضى الكلام الصحيح ، فلا يمنعه تسمية الجهة اللغو . ولاَ نِيَّةَ لِلنَّاسِي والْمُخْطِىء كأنه استنبط من قوله : ( لكل امرئ ما نوى ) ، عدم وقوع العتاق من الناسي والمخطىء لأنه لا نية لهما ، وفيه نظر ، لأن الوقوع إنما هو بمقتضى كلام صحيح صادر من عاقل بالغ ، والمخطىء من : أخطأ من أراد الصواب فصار إلى غيره ، ووقع في رواية القابسي : الخاطىء من خطأ ، وهو من تعمد لما لا ينبغي . وقال بعضهم : يحتمل أن يكون أشار بالترجمة إلى ما ورد في بعض الطرق ، وهو الحديث الذي يذكره أهل الفقه والأصول كثيراً بلفظ : ( رفع الله عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه ، أخرجه ابن ماجة من حديث ابن عباس ، إلاَّ أنه بلفظ : وضع ، بدل : رفع . انتهى . قلت : كأنه أشار إلى هذا الحديث الذي أخبر بأن الخطأ والنسيان رفعا عن أمته ، فلا يترتب على الناسي والمخطىء حكم ، وذلك لعدم النية فيهما ، والأعمال بالنيات ، فإذا كان كذلك لا يقع العتاق من الناسي والمخطىء ، وكذلك الطلاق ، وهو قول الشافعي ، لأنه لا اختيار له فصار كالنائم والمغمى عليه ، قلنا : الاختيار أمر باطن لا يوقف عليه إلاَّ بحرج فلا يصح تعليق الحكم عليه ، أما هذا الحديث فإنه صحيح ، فأخرجه الطحاوي بإسناد رجاله رجال الصحيح غير شيخه ، حيث قال : حدثنا ربيع المؤذن ، قال : حدثنا بشر بن بكر ، قال : أخبرنا الأوزاعي عن عطاء عن عبيد بن عمير عن ابن عباس ، رضي الله تعالى عنهما ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : تجاوز الله لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه ، فهذا هو الصحيح ، والذي أعله إنما أعل إسناد ابن ماجة الذي أخرجه عن محمد بن المصفى الحمصي : حدثنا الوليد بن مسلم حدثنا الأوزاعي عن عطاء عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم ، أن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه ، فهذا كما ترى أسقط : عبيد بن عمير ، وأيضاً أعله بأنه من رواية الوليد عن الأوزاعي ، والصحيح طريق الطحاوي ، وأخرج نحوه الدارقطني والطبراني والحاكم ، ورواه ابن حزم من طريق الربيع وصححه ، وقال النووي في الأربعين : هو حديث حسن صحيح . قوله : ( تجاوز الله ) أي : عفا الله . قوله : ( لي ) ، أي : لأجلي ، وذلك لأنه لم يتجاوز ذلك إلاَّ عن هذه الأمة