العيني

19

عمدة القاري

متكئ . قوله : ( على وسادة ) ، بكسر الواو وهي : المخدة . قوله : ( من أدم ) ، بفتحتين ، وهو اسم لجمع أديم ، وهو الجلد المدبوغ المصلح بالدباغ . قوله : ( طلقت نساءك ؟ ) ، همزة الاستفهام فيه مقدرة ، أي : أطلقت . قوله : ( أستأنس ) أي : أتبصر هل يعود رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، إلى الرضى ، أو هل أقول قولاً أطيب به وقته وأزيل منه غضبه . قوله : ( غير أهبة ) ، بالفتحات جمع إهاب على غير القياس ، والإهاب : الجلد الذي لم يدبغ ، والقياس أن يجمع الإهاب على : أهب ، بضمتين . قوله : ( فليوسع ) ، هذه الفاء عطف على محذوف ، لأنه لا يصلح أن يكون جواباً للأمر ، لأن مقتضى الظاهر أن يقال أدع الله أن يوسع ، وتقدير الكلام هكذا ، وقوله : فليوسع عطف عليه للتأكيد . قوله : ( أفي شك ؟ ) يعني : هل أنت في شك ؟ والمشكوك هو المذكور بعده ، وهو تعجيل الطيبات . قوله : ( استغفر لي ) ، طلب الاستغفار إنما كان عن جراءته على مثل هذا الكلام ، في حضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعن استعظامه التجملات الدنياوية . قوله : ( فاعتزل النبي صلى الله عليه وسلم ) ، ابتداء كلام من عمر ، رضي الله تعالى عنه ، بعد فراغه من كلامه الأول ، فلذلك عطفه بالفاء . قوله : ( من أجل ذلك الحديث ) ، أي : اعتزاله إنما كان من أجل إفشاء ذلك الحديث ، وهو ما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خلا بمارية في يوم عائشة ، وعلمت بذلك حفصة ، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم : ( أكتمي علي وقد حرمت مارية على نفسي ) ، ففشت حفصة إلى عائشة فغضبت عائشة حتى حلف النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا يقربهن شهراً ، وهو معنى قوله : ( ما إنا بداخل عليهم شهراً ) . قوله : ( من شدة موجدته ) ، أي : من شدة غضبه ، والموجدة مصدر ميمي من وجد يجد وجداً وموجدة . قوله : ( حين عاتبه الله تعالى ) ، ويروى : حتى عاتبه الله ، وهذه هي الأظهر ، وعاتبه الله تعالى بقوله : * ( يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضاة أزواجك ) * ( التحريم : 1 ) . قوله : ( لتسع وعشرين ليلة ) ، باللام في رواية الكشميهني ، وفي رواية غيره : بتسع ، بالباء الموحدة . قوله : ( الشهر تسع وعشرون ) ، أي الشهر الذي آليت به تسع وعشرون وأشار به إلى أنه كان ناقصاً يوماً قوله ( وكان ذلك تسع وعشرون ) ويروى : تسعاً وعشرين ، وجه الرواية الأولى : أن : كان فيها تامة فلا يحتاج إلى خبر ، وتسع بالرفع يجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف ، أي : وجد ذلك الشهر وهو تسع وعشرون ، ويجوز أن يكون بدلاً من الشهر ، وفي الرواية الثانية : أن : كان ، ناقصة ، وتسعاً وعشرين خبرها . قوله : ( فأنزلت آية التخيير ) ، وهي قوله تعالى : * ( يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا ) * إلى قوله : * ( أجراً عظيماً ) * ( الأحزاب : 82 ) [ / ح . اختلف العلماء : هل خيرهن في الطلاق أو بين الدنيا والآخرة ؟ وهل اختيارها صريح أو كناية ؟ وهل هو فرقة أم لا ؟ وهل هو بالمجلس أو بالعرف ؟ وقال القرطبي : اختلف العلماء في كيفية تخيير النبي صلى الله عليه وسلم أزواجه على قولين : الأول : خيرهن بإذن الله تعالى في البقاء على الزوجية أو الطلاق ، فاخترن البقاء . الثاني : خيرهن بين الدنيا فيفارقهن وبين الآخرة فيمسكهن ، ولم يخيرهن في الطلاق . ذكره الحسن وقتادة ، ومن الصحابة علي بن أبي طالب ، رضي الله تعالى عنه ، فيما رواه أحمد بن حنبل عنه ، أنه قال : لم يخير النبي صلى الله عليه وسلم نساءه إلاَّ بين الدنيا والآخرة . وقالت عائشة : خيرهن بين الطلاق والمقام معه ، وبه قال مجاهد والشعبي ومقاتل . واختلفوا في سببه ، فقيل : لأن الله خيره بين ملك الدنيا ونعيم الآخرة ، فاختار الآخرة على الدنيا ، فلما اختار ذلك أمر الله بتخيير نسائه ليكن على مثل حاله ، وقيل : لأنهن تغايرن عليه ، فآلى منهن شهراً ، وقيل : لأنهن اجتمعن يوماً فقلن : نريد ما يريد النساء من الحلي ، حتى قال بعضهن : لو كنا عند غير النبي صلى الله عليه وسلم إذن لكان لنا شأن وثياب وحلي . وقيل : لأن الله تعالى صان خلوة نبيه صلى الله عليه وسلم ، فخيرهن على أن لا يتزوجن بعده ، فلما أجبن إلى ذلك أمسكهن . وقيل : لأن كل واحدة طلبت منه شيئًا ، وكان غير مستطيع ، فطلبت أم سلمة معلماً ، وميمونة حلة يمانية ، وزينب ثوباً مخططاً وهو البرد اليماني ، وأم حبيبة ثوباً سحولياً ، وحفصة ثوباً من ثياب مصر ، وجويرية معجراً وسودة قطيفة خيبرية ، إلاَّ عائشة فلم تطلب منه شيئاً ، وكانت تحته صلى الله عليه وسلم تسع نسوة ، خمس من قريش : عائشة ، وحفصة بنت عمر ، وأم حبيبة بنت أبي سفيان ، وسودة بنت زمعة ، وأم سلمة بنت أبي الحارث الهلالية . وأربع من غير قريش : صفية بنت حيي الخيبرية ، وميمونة بنت الحارث ، وزينب بنت جحش الأسدية ، وجويرية بنت الحارث المصطلقية . قوله : * ( يا أيها النبي قل لأزواجك ) * ( الأحزاب : 82 ) . قال المفسرون : كان أزواج النبي صلى الله عليه وسلم سألنه شيئاً من عرض الدنيا وآذينه بزيادة النفقة والغيرة ، فغم ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فهجرهن وآلى أن لا يقربهن شهراً ، ولم يخرج إلى أصحابه في الصلاة ، فقالوا : ما شأنه ؟ قال عمر ، رضي الله تعالى عنه : إن شئتم لأعلمن لكم ما شأنه ؟ فأتى النبي صلى الله عليه وسلم ، فجرى منه ما ذكر