العيني

20

عمدة القاري

في حديث الباب . وذكروا أيضاً أن عمر ، رضي الله تعالى عنه ، تتبع نساء النبي صلى الله عليه وسلم فجعل يكلمهن لكل واحدة بكلام ، فقالت أم سلمة : يا ابن الخطاب ! أو ما بقي لك إلاَّ أن تدخل بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين نسائه ؟ من يسأل المرأة إلاَّ زوجها ؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية بالتخيير ، فبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم بعائشة ، وكانت أحبهن إليه ، فخيرها وقرأ عليها القرآن ، فاختارت الله ورسوله والدار الآخرة ، فرؤى الفرح في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم وتتابعتها بقية النسوة واخترن اختيارها ، وقال قتادة : فلما اخترن الله ورسوله شكر لهن على ذلك وقصره عليهن فقال : * ( لا تحل لك النساء من بعد ولا أن تبدل بهن من أزواج ) * ( الأحزاب : 25 ) . قوله : * ( فتعالين ) * ( الأحزاب : 82 ) . أصل : تعال ، أن يقول من في المكان المرتفع لمن في المكان المستوطىء ثم كثر حتى استقر استعماله في الأمكنة كلها ، ومعنى تعالين : أقبلن ، ولم يرد نهوضهن إليه بأنفسهن . قوله : * ( وأسرحكن ) * ( الأحزاب : 82 ) . يعني : الطلاق * ( سراحاً جميلاً ) * ( الأحزاب : 82 ) . من غير إضرار ، طلاقاً بالسنة ، وقرئ بالرفع على الاستئناف . قوله : * ( والدار الآخرة ) * ( الأحزاب : 82 ) . يعني : الجنة . قوله : * ( منكن ) * ( الأحزاب : 82 ) . يعني : اللاتي آثرن الآخرة . * ( أجراً عظيماً ) * ( الأحزاب : 82 ) . وهو الجنة . ذكر ما يستفاد منه : فيه : أن المحدث قد يأتي بالحديث على وجهه ولا يختصر ، لأنه قد كان يكتفي ، حين سأله ابن عباس عن المرأتين بما كان يخبره منه أنهما عائشة وحفصة ، وفيه : موعظة الرجل ابنته وإصلاح خلقها لزوجها . وفيه : الحزن والبكاء لأمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وما يكرهه والاهتمام بما يهمه . وفيه : الاستئذان والحجابة للناس كلهم ، كان مع المستأذن عيال أو لم يكن . وفيه : الانصارف بغير صرف من المستأذن عليه ، ومن هذا الحديث قال بعض العلماء : إن السكوت يحكم به ، كما حكم عمر ، رضي الله تعالى عنه ، بسكوت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صرفه إياه . وفيه : التكرير بالاستئذان . وفيه : أن للسلطان أن يأذن أو يسكت أو يصرف . وفيه : تقلله صلى الله عليه وسلم من الدنيا وصبره على مضض ذلك ، وكانت له عنه مندوحة . وفيه : أنه يسأل السلطان عن فعله إذا كان ذلك مما يهم أهل طاعته . وفيه : قوله صلى الله عليه وسلم لعمر ، رضي الله تعالى عنه : لا رداً لما أخبر به الأنصاري من طلاق نسائه ، ولم يخبر عمر بما أخبر به الأنصاري ، رضي الله تعالى عنه ، ولا شكاه لعلمه أنه لم يقصد الإخبار بخلاف القصة ، وإنما هو وهم جرى عليه . وفيه : الجلوس بين يدي السلطان وإن لم يأمر به إذات استؤنس منه إلى انبساط خلق . وفيه : أن أحداً لا يجوز أن يسخط حاله ولا ما قسم الله له ولا سابق قضائه ، لأنه يخاف عليه ضعف يقينه . وفيه : أن التقلل من الدنيا لرفع طيباته إلى دار البقاء خير حال ممن يعجلها في الدنيا الفانية والعجل لها أقرب إلى السفه . وفيه : الاستغفار من السخط وقلة الرضى . وفيه : سؤال من الشارع الاستغفار ، ولذلك يجب أن يسأل أهل الفضل والخير الدعاء والاستغفار . وفيه : أن المرأة تعاقب على إفشاء سر زوجها ، وعلى التحيل عليه بالأذى بالتوبيخ لها بالقول ، كما وبخ الله تعالى أزواج نبيه صلى الله عليه وسلم على تظاهرهما وإفشاء سره ، وعاتبهن بالإيلاء والاعتزال والهجران كما قال تعالى : * ( واهجروهن في المضاجع ) * ( النساء : 43 ) . وفيه : أن الشهر يكون تسعة وعشرين يوماً . وفيه : أن المرأة الرشيدة لا بأس أن تشاور أبويها أو ذوي الرأي من أهلها في أمر نفسها التي هي أحق بها من وليها ، وهي في المال أولى بالمشاورة ، لا على أن المشاورة لازمة لها إذا كانت رشيدة كعائشة ، رضي الله تعالى عنها . وفيه : دليل لجواز ذكر العمل الصالح ، وهي في قول عبد الله بن عباس : فحججت معه ، أي : مع عمر . وفيه : الاستعانة في الوضوء إذ هو الظاهر من قوله : فتوضأ ، وقال ابن التين : ويحتمل الاستنجاء ، وذلك أن يصب الماء في يده اليمنى ثم يرسله حيث شاء ، وفيه : رد الخطاب إلى الجمع بعد الإفراد ، وذلك في قوله : أفتأمن ؟ أي : إحداكن ، ثم قال : فتهلكن ، على رواية : تهلكن ، بضم الكاف وبالنون المشددة ، قاله الداودي . وفيه : أن ضحكه صلى الله عليه وسلم التبسم إكراماً لمن يضحك إليه . وقال جرير : ما رآني رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ أسلمت إلاَّ تبسم . وفيه : التخيير ، وقد استعمل السلف الاختيار بعده ، فعند الشافعي أن المرأة إذا اختارت نفسها فواحدة ، وهو قول عائشة وعمر بن عبد العزيز ، وذكر علي : أنها إذا اختارت نفسها فثلاث . وقال طاووس : نفس الاختيار لا يكون طلاقاً حتى يوقعه ، وقال الداودي : إن واحدة من نسائه صلى الله عليه وسلم اختارت نفسها ، فبقيت إلى زمن عمر ، رضي الله تعالى عنه ، وكانت تأتي بالحطب بالمدينة فتبيعه ، وأنها أرادت النكاح فمنعها عمر ، فقالت : إن كنت من أمهات المؤمنين اضرب علي الحجاب ، فقال لها : ولا كرامة . وقيل : إنها رعت