العيني
86
عمدة القاري
ثم الكلام في تفسير الآيات الكريمة . قوله : * ( إني أريد أن أنكحك ) * ( القصص : 72 ) . أي : أريد أن أزوجك * ( إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ) * ( القصص : 82 ) . نفسك مدة ثماني حجج أي : على أن تكون أجيرا لي ثماني سنين من أجرته إذا كنت له أجيرا ، كقولك : أبوته إذا كنت له أبا ، وثماني حجج ظرفه ، ويجوز أن يكون من آجرته كذا إذا أثبته إياه ، ومنه تعزية رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( آجركم الله ورحمكم الله ) ، وثماني حجج مفعول به ، أي : رعية ثماني حجج ، وقال الزمخشري فإن قلت : كيف جاز أن يمهرها إجارة نفسه في رعية الغنم ، ولا بد من تسليم ما هو مال ؟ أَلاَ ترى إلى أبي حنيفة كيف منع أن يتزوج امرأة بأن يخدمها سنة ؟ وجوز أن يتزوجها بأن يخدمها عبده سنة أو يسكنها داره سنة ، لأنه في الأول سلم نفسه ، وليس بمال وفي الثاني هو مسلم مالاً ، وهو العبد أو الدار . قلت : الأمر على مذهب أبي حنيفة كما ذكرت ، وأما الشافعي فقد جوز التزويج على الإجازة ببعض الأعمال والخدمة إذا كان المستأجر له أو المخدوم فيه أمرا معلوما ، ولعل ذلك كان جائزا في تلك الشريعة ، ويجوز أن يكون المهر شيئا آخر ، وإنما أراد أن يكون رعي غنمه هذه المدة ، وأراد أن ينكحه ابنته ، فذكر له المرادين ، وعلق الإنكاح بالرعية على معنى : أني أفعل هذا إذا فعلت ذلك ، على وجه المفاهدة لا على وجه المعاقدة ، ويجوز أن يستأجره لرعي غنمه ثماني سنين بمبلغ معلوم ويوفيه إياه ثم ينكحه ابنته به ، ويجعل قوله : على أن تأجرني ثماني حجج ، عبارة عما جرى بينهما * ( فإن أتممت العمل عشرا فمن عندك ) * ( القصص : 72 ) . فإتمامه من عندك ، والمعنى : فهو من عندك لا من عندي ، يعني : لا ألزمك ولا أحتمه عليك ، ولكن إن فعلته فهو منك تفضيل وتبرع ، وإلاَّ فلا عليك * ( وما أريد أن أشق عليك ) * ( القصص : 72 ) . في هذه المدة فأكلفك ما يصعب عليك : * ( ستجدني إن شاء الله من الصالحين ) * ( القصص : 72 ) . في حسن العشرة والوفاء بالعهد ، وهذا شرط للأب وليس بصداق ، وقيل : صداق ، والأول أظهر لقوله : * ( تأجرني ) * ( القصص : 72 ) . ولم يقل : تأجرها ، وإنما قال : إن شاء الله ، للاتكال على توفيقه ومعونته . قوله : * ( قال ذلك ) * ( القصص : 82 ) . أي : قال موسى لشعيب عليهما السلام ، ذلك مبتدأ * ( بيني وبينك ) * ( القصص : 82 ) . خبره ، وهو إشارة إلى ما عاهده عليه شعيب . ثم قال موسى ، عليه الصلاة والسلام : * ( أيما الأجلين ) * ( القصص : 82 ) . أي : أجل من الأجلين أطولهما الذي هو العشر وأقصرهما الذي هو ثمان . * ( قضيت ) * أي : أوفيتك إياه وفرغت من العمل فيه * ( فلا عدان علي ) * أي : لا سبيل علي ، والمعنى : لا تعتد علي بأن تلزمني أكثر منه . قوله : * ( والله على ما نقول وكيل ) * ( القصص : 82 ) . أي : على ما نقول من النكاح والأجر والإجارة وكيل ، أي : حفيظ وشاهد ، ولما استعمل وكيل في موضع الشاهد عدى بعلى ، وروي عن ابن عباس مرفوعا : سأل جبريل ، عليه الصلاة والسلام : ( أي الأجل قضى موسى ؟ فقال : أتمهما وأكملهما ) . يأجُرُ فُلاَنا يُعْطِيهِ أجْرا ومِنْهُ في التَّعْزِيَةِ آجَرَكَ الله يأجر ، بضم الجيم ، والمقصود منه تفسير قوله تعالى : * ( تأجرني ثماني حجج ) * ( القصص : 72 ) . وبهذا فسر أبو عبيدة في ( المجاز ) . قوله : ( ومنه ) أي : ومن هذاالمعنى قولهم في التعزية : آجرك الله أي : يعطيك أجره ، وهكذا فسر أبو عبيدة أيضا ، وزاد : يأجرك أي : يثيبك . وقيل : المعنى في قوله : على أن تأجرني أن تكون لي أجيرا ، أو التقدير : على أن تأجرني نفسك ، وقال الكرماني : في جواب من قال : ما الفائدة في عقد هذا الباب إذ لم يذكر فيه حديثا ؟ بأن البخاري كثيرا ما يقصد بتراجم الأبواب بيان المسائل الفقهية ، فأراد هنا بيان جواز مثل هذه الإجارة ، واستدل عليه بالآية ، ثم قال : قال المهلب : ليس كما ترجم ، لأن العمل كان معلوما عندهم . انتهى . قلت : قد مر الكلام فيه عن قريب . 7 ( ( بابٌ إذَا اسْتَأجَرَ أجيرا علَى أنْ يُقِيمَ حائِطا يُرِيدُ أنْ يَنْقَضَّ جازَ ) ) أي : هذا باب يذكر فيه إذا استأجر أحد أجيرا لأجل إقامة حائط يريد أن ينقض ، أي : بسقط ، يقال : انقض الطائر سقط من الهواء بسرعة . قوله : ( جاز ) ، جواب : إذا ، وقال ابن التين : تبويب البخاري يدل على أن هذا جائز لجميع الناس ، وإنما كان ذلك للخضر ، عليه السلام ، خاصة ، ولعل البخاري أراد أن يبني له حائطا من الأصل ، أو يصلح له حائطا . انتهى . قلت : ينبغي أن يكون هذا جائزا لجميع الناس ، وتخصيصه بالخضر ، عليه السلام ، لا دليل عليه ، وجه ذلك على العموم أن حائط رجل إذا أشرف على السقوط ، فخيف من سقوطه ، فاستأجر أحدا يعلقه حتى لا يسقط فإنه يجوز بلا خلاف ، ثم بعد التعليق إما أن يرمه ويقطع عيبه ، أو يهده ويبنيه جديدا . وقال المهلب : إنما جاز الاستئجار عليه لقول موسى ، عليه الصلاة والسلام : * ( لو