العيني

16

عمدة القاري

59 ( ( بابُ منْ أجْرَى أمْرَ الأمْصَارِ عَلَى ما يتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ فِي البُيُوعِ والإجَارَةِ والمِكْيَالِ والوَزْنِ وسُنَنهمْ عَلِى نِيَّاتِهِمْ ومَذَاهِبِهِمْ المَشْهُورَةِ ) ) أي : هذا باب يذكر فيه من أجرى أمرها إلى الأمصار على ما يتعارفون بينهم ، أي : على عرفهم وعوائدهم في أبواب البيوع والإجارات والمكيال ، وفي بعض النسخ : والكيل والوزن مثلاً بمثل ، كل شيء لم ينص عليه الشارع أنه كيلي أو وزني يعمل في ذلك على ما يتعارفه أهل تلك البلدة مثلاً : الأرز فإنه لم يأت فيه نص من الشارع أنه كيلي أو وزني ، فيعتبر في عادة أهل كل بلدة على ما بينهم من العرف فيه ، فإنه في البلاد المصرية يكال ، وفي البلاد الشامية يوزن ، ونحو ذلك من الأشياء ، لأن الرجوع إلى العرف جملة من القواعد الفقهية . قوله : ( وسننهم ) ، عطف على ما يتعارفون بينهم أي : على طريقتهم الثابتة على حسب مقاصدهم وعاداتهم المشهورة . وحاصل الكلام أن البخاري قصد بهذه الترجمة إثبات الاعتماد على العرف والعادة . وقال شُرَيْحٌ للْغَزَّالِينَ سنَّتُكُمْ بَيْنَكُمْ رِبْحا شريح ، بضم الشين المعجمة : ابن الحارث الكندي القاضي من عهد عمر بن الخطاب ، رضي الله تعالى عنه . قوله : ( للغزالين ) هو جمع : غزال ، وهو بياع الغزل . قوله : ( سنتكم ) ، يجوز فيه الرفع والنصب ، أما الرفع فعلى أنه مبتدأ وخبره قوله : ( بينكم ) ، يعني : عادتكم وطريقتكم بينكم معتبرة ، وأما النصب فعلى تقدير إلزموا سنتكم ، وهذا التعليق وصله سعيد بن منصور من طريق ابن سيرين : أن ناسا من الغزالين اختصموا إلى شريح في شيء كان بينهم ، فقالوا : إن سنتنا بيننا كذا وكذا ، فقال : سنتكم بينكم . قوله : ( ربحا ) ، قيل : لا معنى له ههنا ، وإنما محله في آخر الأثر الذي بعده . قلت : هكذا وقع في بعض النسخ ، ولكنه غير صحيح ، لأن هذه اللفظة هنا لا فائدة لها ولا معنى يطابق الأثر . وقال عَبْدُ الوهَّابِ عنْ أيّوبَ عن محَمَّدٍ لاَ بأسَ الْعَشْرَةُ بأحَدَ عَشَرَ ويأخُذُ لِلْنَّفقَةِ رِبحا مطابقته للترجمة من حيث إن عرف البلد أن المشترى بعشرة دراهم يباع بأحد عشر ، فباعه المشتري على ذلك العرف لم يكن به بأس ، وعبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي ، وأيوب هو السختياني ، ومحمد هو ابن سيرين ، وهذا التعليق وصله ابن أبي شيبة عن عبد الوهاب ، هذا . قوله : ( لا بأس العشرة بأحد عشر ) ، أي : لا بأس أن يبيع ما اشتراه بمائة دينار مثلاً كل عشرة منه بأحد عشر ، فيكون رأس المال عشرة والربح دينارا ، وقال الكرماني : العشرة ، بالرفع والنصب إذا كان عرف البلد أن المشترى بعشرة دراهم يباع بأحد عشر درهما ، فيبيعه على ذلك العرف ، فلا بأس به . ويأخذ لأجل النفقة ربحا . قلت : أما وجه الرفع فعلى أنه مبتدأ وخبره هو قوله : ( بأحد عشر ) ، والتقدير : تباع بأحد عشر . وأما النصب فعلى تقدير : بيع العشرة ، يعني : المشترى بعشرة ، بأحد عشر . وقال ابن بطال : اختلف العلماء في ذلك فأجازه قوم وكرهه آخرون ، وممن كرهه ابن عباس وابن عمر ومسروق والحسن ، وبه قال أحمد وإسحاق . قال أحمد : البيع مردود ، وأجازه ابن المسيب والنخعي ، وهو قول مالك والثوري والأوزاعي ، وحجة من كرهه لأنه بيع مجهول ، وحجة من أجازه بأن الثمن معلوم والربح معلوم وأصل هذا الباب بيع الصبرة كل قفيز بدرهم ولا يعلم مقدارها من الطعام ، فأجازه قوم وأباه آخرون ، ومنهم من قال : لا يلزم إلا القفيز الواحد . وعن مالك : لا يأخذ في المرابحة أجر السمسار ولا أجر الشد والطي ولا النفقة على الرقيق ، ولا كراء البيت ، وإنما يحسب هذا في أصل المال ولا يحسب له ربح ، وأما كراء البز فيحسب له الربح لأنه لا بد منه ، فإن أربحه المشترى على ما لا تأثير له جاز إذا رضي بذلك . وقال أبو حنيفة : يحسب في المرابحة أجرة القصارة والسمسرة ونفقة الرقيق وكسوتهم ، ويقول : قام علي بكذا ، ولا يقول : اشتريته بكذا . قوله : ( ويأخذ للنفقة ) ، أي : لأجل النفقة ربحا ، هذا محل ذكر الربح ، كما ذكرناه عن قريب ، وقد ذكرنا الآن خلاف مالك فيه . وقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم لِهِنْدٍ خُذِي ما يَكْفِيكِ وولَدَكِ بِالمَعْرُوفِ مطابقته للترجمة من حيث إنه ، صلى الله عليه وسلم ، قال لهند : خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف ، وهو عادة الناس ، وهذا