العيني
142
عمدة القاري
لا ينعقد إلاَّ بالتزويج أو الإنكاح ، وبه قال ربيعة وأبو ثور وأبو عبيد وداود وآخرون . وقال ابن القاسم : إن وهب ابنته وهو يريد إنكاحها فلا أحفظه عن مالك ، وهو عندي جائز كالبيع ، وحكاه ابن عبد البر عن أكثر المالكية المتأخرين ، ثم قال : الصحيح أنه لا ينعقد بلفظ الهبة نكاح كما أنه لا ينعقد بلفظ النكاح هبة شيء من الأموال وفي الجواهر ، أركان النكاح أربعة : الصيغة : وهي كل لفظ يقتضي التمليك على التأبيد في حال الحياة كالإنكاح والتزويج والتمليك والبيع والهبة ، وما في معناها ، قال القاضي أبو الحسن ، ولفظ الصدقة ، وفي ( الروضة ) للنووي : ولا ينعقد بغير لفظ التزويج والإنكاح ، وكذا قال في ( حاوي ) الحنابلة . الرابع فيه : استحباب عرض المرأة نفسها على الرجل الصالح ليتزوجها . الخامس : فيه : أنه يستحب لمن طلبت إليه حاجته وهو لا يريد أن يقضيها أن لا يخجل الطالب بسرعة المنع ، بل يسكت سكوتا يفهم السائل ذلك منه ، اللهم إلاَّ إذا لم يفهم السائل ذلك إلاَّ بصريح المنع ، فيصح . وفي رواية للبخاري من رواية حماد بن زيد عن أبي حازم : التصريح بالمنع ، بقوله فقال مالك : ما لي اليوم في النساء حاجة . السادس فيه : أن من طلب حاجة يريد بها الخير فسكت عنه لا يرجع من أول وهلة لاحتمال قضائها فيما بعد ، وفي رواية للطبراني : فقامت حتى راقبنا لها من طول القيام . . . الحديث ، بل لا بأس بتكرار السؤال إذا لم يجب . السابع فيه : أنه لا بأس بالخطبة لمن عرضت نفسها على غيره إذا صرح المعروض بالرد أو فهم منه بقرينة الحال . الثامن : فيه : انعقاد النكاح بالاستيجاب وإن لم يوجد بعد الإيجاب قبول ، وقد بوب عليه البخاري : باب إذا قال الخاطب للولي : زوجني فلانة ، فقال : زوجتكها بكذا وكذا ، جاز النكاح وإن لم يقل الزوج رضيت أو قبلت ، وهذا قول أبي حنيفة والشافعي ، وقال الرافعي : إن هذا هو النص ، وظاهر المذهب قال وحكى الإمام وجها ، أن من الأصحاب من أثبت فيه الخلاف . التاسع : أن التعليق في الاستيجاب لا يمنع من صحة العقد ، وقال شيخنا : قد أطلق أصحاب الشافعي تصحيح القول بأن النكاح لا يقبل التعليق ، قال الرافعي : إنه الأصح الذي ذكره الأكثرون ، وحكوا عن أبي حنيفة صحة النكاح مع التعليق . قلت : مذهب الإمام أنه إذا علق النكاح بالشرط يبطل الشرط ويصح النكاح ، كما إذا قال : تزوجتك بشرط أن لا يكون لك مهر . العاشر : فيه : استحباب تعيين الصداق ، لأنه أقطع للنزاع وأنفع للمرأة ، لأنها إذا طلقت قبل الدخول وجب لها نصف المسمى ، بخلاف ما إذا لم يسم المهر فإنه إنما تجب المتعة . الحادي عشر : فيه : جواز تزويج الولي والحاكم المرأة للمعسر إذا رضيت به . الثاني عشر : فيه : أنه لا بأس للمعسر المعدم أن يتزوج امرأة إذا كان محتاجا إلى النكاح ، لأن الظاهر من حال هذا الرجل الذي في الحديث أنه كان محتاجا إليه ، وإلاَّ لما سأله مع كونه غير واجد إلاَّ إزاره ، وليس له رداء ، فإن كان غير محتاج إليه يكره له ذلك . الثالث عشر في قوله : إزارك إن أعطيته جلست ولا إزار لك ، دليل على أن المرأة تستحق جميع الصداق بالعقد قبل الدخول ، وبه قال الشافعي وأصحابه ، ونحن نقول : لا تستحق إلاَّ النصف ، وبه قال مالك ، وعنه كقول الشافعي . الرابع عشر : استدل الشافعي بقوله : ولو خاتما من حديد ، على أنه يكتفي بالصداق ، بأقل ما يتمول به كخاتم الحديد ونحوه . وفي ( الروضة ) : ليس للصداق حد مقدر بل كل ما جاز أن يكون ثمنا ومثمنا أو أجرة جاز جعله صداقا ، وبه قال أحمد ، ومذهب مالك : أنه لا يرى فيه عددا معينا ، بل يجوز بكل ما وقع عليه الاتفاق ، غير أنه يكون معلوما : وعن مالك : لا يجوز بأقل من ربع دينار ، وقال ابن حزم : وجائز أن يكون صداقا كل ما له نصف ، قل أو كثر ، ولو أنه حبة بر أو حبة شعير أو غير ذلك ، وعن إبراهيم النخعي : أكره أن يكون المهر مثل أجر البغي ، ولكن العشرة والعشرون . وعنه : السنة في النكاح الرطل من الفضة ، وعن الشعبي : أنهم كانوا يكرهون أن يتزوج الرجل على أقل من ثلاث أواقي . وعن سعيد بن جبير : أنه كان يحب أن يكون الصداق خمسين درهما ، وقال أبو حنيفة وأصحابه : لا يجوز أن يكون الصداق أقل من عشرة دراهم . لما روى ابن أبي شيبة في ( مصنفه ) : عن شريك عن داود الزعافري عن الشعبي ، قال : قال علي ، رضي الله تعالى عنه : لا مهر بأقل من عشرة دراهم ، والظاهر أنه قال ذلك توقيفا ، لأنه باب لا يوصل إليه بالاجتهاد والقياس فإن قلت . قال ابن حزم : الرواية عن علي باطلة لأنها عن داود بن يزيد الزعافري الأودي وهو في غاية السقوط ، ثم هي مرسلة لأن الشعبي لم يسمع من علي حديثا . قلت : قال ابن عدي : لم أر حديثا منكرا جاوز الحد ، إذ روى عنه ثقة ، وإن كان ليس بقوي في