العيني
143
عمدة القاري
الحديث فإنه يكتب حديثه ويقبل إذا روى عنه ثقة ، وذكر المزي : أن الشعبي سمع علي بن أبي طالب ، رضي الله تعالى عنه ، ولئن سلمنا أن روايته مرسلة فقد قال العجلي : مرسل الشعبي صحيح ، ولا يكاد يرسل ، إلاَّ صحيحا . وأما الجواب عن قوله : ولو خاتما من جديد ، فنقول : إنه خارج مخرج المبالغة ، كما قال : تصدقوا ولو بظلف محرق ، وفي لفظ : ولو بفرسن شاة ، وليس الظلف والفرسن مما ينتفع بهما ولا يتصدق بهما ويقال : لعل الخاتم كان يساوي ربع دينار فصاعدا ، لأن الصواغ قليل عندهم كذا قاله بعض المالكية ، لأن أقل الصداق عندهم ربع دينار . ويقال : لعل التماسه للخاتم لم يكن ليكون كل الصداق بل شيء يعجله لها قبل الدخول . الخامس عشر : احتج به الشافعي وأحمد في رواية ، والظاهرية على أن : التزويج على سورة من القرآن مسماة جائز ، وعليه أن يعلمها . وقال الترمذي عقيب الحديث المذكور : قد ذهب الشافعي إلى هذا الحديث ، فقال : إن لم يكن شيء يصدقها وتزوجها على سورة من القرآن فالنكاح جائز ، ويعلمها السورة من القرآن . وقال بعض أهل العلم : النكاح جائز ويجعل لها صداق مثلها . وهو قول أهل الكوفة وأحمد وإسحاق . قلت : وهو قول الليث بن سعد وأبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ومالك وأحمد في أصح الروايتين وإسحاق . وقال ابن الجووزي : في هذا الحديث دليل على أن تعليم القرآن يجوز أن يكون صداقا ، وهي إحدى الروايتين عن أحمد ، والأخرى : لا يجوز ، وإنما جاز لذلك الرجل خاصة . وأجابوا عن قوله : قد زوجناكها بما معك من القرآن ، أنه إن حمل على ظاهره يكون تزويجها على السورة لا على تعليمها ، فالسورة من القرآن لا تكون مهرا بالإجماع ، فحينئذ يكون المعني : زوجتكها بسبب ما معك من القرآن وبحرمته وببركته ، فتكون الباء للسببية كما في قوله تعالى : * ( أنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل ) * ( البقرة : 45 ) . وقوله تعالى : * ( فكلاً أخذنا بذنبه ) * ( العنكبوت : 04 ) . وهذا لا ينافي تسمية المال . فإن قلت : جاء في رواية : على ما معك من القرآن . وفي مسند أسد السنة : مع ما معك من القرآن ؟ قلت : أما : على ، فإنه يجيء للتعليل أيضا كالباء كما في قوله تعالى : * ( ولتكبروا الله على ما هداكم ) * ( البقرة : 581 ) . والمعني لهدايته إياكم ويكون المعني زوجتها لأجل ما معك من القرآن يعني لأجل حرمته وبركته ، ولا ينافي هذا أيضا تسمية المال . وأما : مع ، فإنها للمصاحبة ، والمعنى : زوجتكها لمصاحبتك القرآن ، فالكل يعود إلى معنى واحد ، وهو أن التزويج إنما كان على حرمة السورة وبركتها لا أنها صارت مهرا ، لأن السورة من القرآن لا تكون مهرا بالإجماع ، كما ذكرنا . فإن قلت : الأصل في : الباء ، أن تكون للمقابلة في مثل هذا الموضع ، كما في نحو قولك : بعتك ثوبي بدينار . قلت : لا نسلم أن الأصل في : الباء ، أن تكون للمقابلة ، بل الأصل فيها أنها موضوعة للإلصاق حتى قيل : إنه معنى لا يفارقها ، ولو كانت للمقابلة ههنا للزم أن تكون تلك المرأة كالموهوبة ، وذلك لا يجوز إلاَّ للنبي صلى الله عليه وسلم ، لأن في إحدى روايات البخاري : فقد ملكتكها بما معك من القرآن ، فالتمليك هبة ، والهبة في النكاح اختص بها النبي صلى الله عليه وسلم لقوله تعالى : * ( خالصة لك من دون المؤمنين ) * ( الأحزاب : 05 ) . فإن قلت : معنى قوله صلى الله عليه وسلم : زوجتكها بما معك من القرآن ، بأن تعلمها ما معك من القرآن أو مقدارا منه ويكون ذلك صداقها ، أي : تعليمها إياه ، والدليل على ذلك ما جاء في رواية لمسلم : انطلق فقد زوجتكها فعلمها من القرآن . وجاء في رواية عطاء : فعلمها عشرين آية . قلت : هذا عدول عن ظاهر اللفظ بغير دليل ، ولئن سلمنا هذا ، فهذا لا ينافي تسمية المال ، فيكون قد زوجها منه مع تحريضه على تعليم القرآن ، ويكون ذلك المهر مسكوتا عنه إما لأنه صلى الله عليه وسلم قد أصدق عنه كما كفر عن الواطىء في رمضان إذ لم يكن عنده شيء ، وودى المقتول بخيبر إذ لم يخلف أهله ، كل ذلك رفقا بأمته ورحمة لهم ، أو يكون أبقى الصداق في ذمته وأنكحها نكاح تفويض ، حتى يتفق له صداق ، أو حتى يكسب بما معه من القرآن صداقا ، فعلى جميع التقدير لم يكن فيه حجة على جواز النكاح بغير صداق من المال . السادس عشر : فيه : أنه لا بأس بلبس خاتم الحديد ، وقد اختلفوا فيه ، فقال بعض الشافعية : إنه لا يكره لهذا الحديث ، ولحديث معيقيب : كان خاتم النبي صلى الله عليه وسلم من حديد ملوي عليه فضة ، رواه أبو داود . وذهب آخرون إلى تحريمه وتحريم الخاتم النحاس أيضا لحديث : أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وعليه خاتم من شبه ، قال : مالي أجد منك ريح الأصنام ؟ فطرحه ، ثم جاء وعليه خاتم من حديد ، فقال : ما لي أرى عليك حلية أهل النار ؟ فطرحه . رواه أبو داود أيضا . السابع عشر : استدل