العيني

138

عمدة القاري

نزل على الجعرانة فيمن معه من الناس ولما نزل على الجعرانة انتظر وفد هوازن بضع عشرة ليلة ، وهو معنى قوله في الحديث : ( انتظرهم بضع عشرة ليلة حين قفل من الطائف ) ، ثم جرى ما ذكر في الحديث . قوله : ( أن يطيب ) من الثلاثي من طاب يطيب ومن باب أطاب يطيب ، ومن باب التفعيل من طيب يطيب . قال الكرماني : يعني يرد السبي مجانا برضا نفسه وطيب قلبه . وفي ( التوضيح ) : أراد أن يطيب أنفسهم ، لأهل هوازن ، بما أخذ منهم من العيال لرفع الشحناء والعداوة ولا تبقى إحنة الغلبة لهم في انتزاع السبي منهم في قلوبهم ، فيولد ذلك اختلاف الكلمة . قلت : المعنى على كونه من الثلاثي : أن يطيب نفسه بذلك أي : يدفع السبي إلهم فليفعل ، وهو جواب : من المتضمنة معنى الشرط ، فلذلك حصلت فيه الفاء ، والفعل هنا لازم وعلى كونه من باب الإفعال أو التفعيل يكون الفعل متعديا والمفعول محذوفا تقديره : أن يطيب نفسه بذلك ، بضم الياء وكسر الطاء وسكون الياء ، وأن يطيب ، بضم الياء وفتح الطاء وتشديد الياء . قوله : ( على حظه ) أي : على نصيبه من السبي . قوله : ( ما يفيء الله ) من : أفاء يفيء من باب : أفعل يفعل من الفيء ، وهو ما يحصل للمسلمين من أموال الكفار من غير حرب ولا جهاد ، وأصل الفيء : الرجوع . يقال : فاء يفيء فيئة وفيوا كأنه كان في الأصل لهم فرجع إليهم ، ومنه قيل للظل الذي بعد الزوال : فيء ، لأنه يرجع من جانب الغرب إلى جانب الشرق . قوله : ( قد طيبنا ذلك لرسول الله ، صلى الله عليه وسلم ) ، أي : لأجله ، ويروى : يا رسول الله . قوله : ( حتى يرفع إلينا عرفاؤكم ) العرفاء جمع عريف ، وهو الذي يعرف أمر القوم وأحوالهم ، وهو النقيب وهو دون الرئيس . وفي ( التلويح ) : العريف : القيم بأمر القبيلة والمحلة يلي أمرهم ويعرف الأمير حالهم ، وهو مبالغة في اسم من يعرف الجند ونحوهم ، فعيل بمعنى فاعل ، والعرافة عمله وهو النقيب ، وقيل : النقيب فوق العريف وإنما قال صلى الله عليه وسلم : ( حتى يرجع إلينا عرفاؤكم ) للتقصي عن أصل الشيء في استطابة النفوس ، ويروى : حتى يرفعوا إلينا ، على لغة أكلوني البراغيث . قوله : ( أخبروه ) أي : وأخبر عرفاؤهم النبي صلى الله عليه وسلم أنهم قد طيبوا ذلك وأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرد السبي إليهم . ذكر ما يستفاد منه : فيه : أن الغنيمة إنما يملكها الغانمون بالقسمة ، وهو قول الشافعي ، واستفيد ذلك من انتظاره ، صلى الله عليه وسلم . وفيه : دليل أيضا على استرقاق العرب وتملكهم كالعجم ، إلاَّ أن الأفضل عتقهم للترحم ومراعاتها ، كما فعل عمر ، رضي الله تعالى عنه ، في خلافته ، حين ملك المرتدين ، وهو على وجه الندب لا على الوجوب . وفيه : أن العوض إلى أجل مجهول جائز ، قاله ابن التين : قال : إذ لا يدري متى يفيء الله عليهم . قال : وقال بعضهم : يمكن أن يقاس عليه من أكره على بيع ماله في حق عليه ، قال ابن بطال : فيه بيع المكره في الحق جائز ، لأن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، حكم دبر السبي ، قال : من أحب أن يكون على حظه ولم يجعل لهم الخيار في إمساك السبي أصلاً وإنما خيرهم في أن يعوضهم من غنائم أخر ، ولم يخيرهم في أعيان السبي ، لأنه قال لهم بعد أن رد أهلهم : وإنما خيرهم في إحدى الطائفتين لئلا تجحف بالمسلمين في مغانمهم . وفيه : أنه يجوز للامام إذا جاءه أهل الحرب مسلمين بعد أن غنم أموالهم وأهليهم أن يرد عليهم إذا رأى في ذلك مصلحة . وفيه : اتخاذ العرفاء . وفيه : قبول خبر الواحد . وفيه : من رأى قبول إقرار الوكيل على موكله ، لأن العرفاء كانوا كالوكلاء فيما أقيموا له من أمرهم ، فلما سمع النبي ، صلى الله عليه وسلم ، مقالة العرفاء أنفذ ذلك ولم يسألهم عما قالوه ، وكان في ذلك تحريم فروج السبايا على من كانت حلت له ، وإليه ذهب أبو يوسف ، وقال أبو حنيفة : إقرار الوكيل جائز عند الحاكم ، ولا يجوز عند غيره ، وقال مالك : لا يقبل إقراره ولا إنكاره إلاَّ أن يجعل ذلك إليه موكله . وقال الشافعي : لا يقبل إقراره عليه ، والله أعلم . 8 ( ( بابٌ إذَا وكِّل رَجُلٌ أنْ يُعْطِيَ شَيْئا ولَمْ يُبَيِّنْ كَمْ يُعْطِي فأعْطَى عَلَى ما يتَعَارَفُهُ الناسُ ) ) أي : هذا باب يذكر فيه إذا وكل رجل رجلاً أن يعطي شيئا ولم يعين أي : الذي وكل كم يعطي أي : الوكيل فأعطى أي : الوكيل على ما يتعارفه الناس ، أي : على عرف الناس في هذه الصورة ، وجزاء : إذا ، محذوف تقديره : فهو جائز أو نحوه .