العيني

59

عمدة القاري

ابن حزم النقل عن الليث بن سعد وأبي ثور وداود أنه فرض على أوليائه ، هم أو بعضهم ، وبه صرح القاضي أبو الطيب الطبري في تعليقه بأن المراد منه الوجوب ، وجزم به النووي في ( الروضة ) من غير أن يعزوه إلى أحد ، وزاد في ( شرح المهذب ) فقال : إنه بلا خلاف . وقال شيخنا زين الدين : هذا عجيب منه ، ثم قال : وحكى النووي في ( شرح مسلم ) عن أحد قولي الشافعي : إنه يستحب لوليه أن يصوم عنه ، ثم قال : ولا يجب عليه . ذكر ما يستفاد منه : احتج به أصحاب الحديث فأجازوا الصيام عن الميت ، وبه قال الشافعي في القديم ، وأبو ثور وطاووس والحسن والزهري وقتادة وحماد بن أبي سليمان والليث بن سعد وداود الظاهري وابن حزم ، سواء كان عن صيام رمضان أو عن كفارة أو عن نذر ، ورجح البيهقي والنووي القول القديم للشافعي لصحة الأحاديث فيه . وقال النووي ، رحمه الله في ( شرح مسلم ) : إنه الصحيح المختار الذي نعتقده ، وهو الذي صححه محققو أصحابه الجامعيين بين الفقه والحديث لقوة الأحاديث الصحيحة الصريحة ، ونقل البيهقي في ( الخلافيات ) : من كان عليه صوم فلم يقضه مع القدرة عليه حتى مات صام عنه وليه أو أطعم عنه على قوله في القديم ، وهذا ظاهر أن القديم تخيير الولي بين الصيام والإطعام ، وبه صرح النووي في ( شرح مسلم ) قلت : ليس القول القديم مذهبا له فإنه غسل كتبه القديمة وأشهد على نفسه بالرجوع عنها ، هكذا نقل ذلك عنه أصحابه . ثم إعلم أن في هذا الباب اختلافا كثيرا وأقوالاً . الأول : ما ذكرناه الآن . والثاني : هو أن يطعم الولي عن الميت كل يوم مسكينا مدا من قمح ، وهو قول الزهري ومالك والشافعي في الحديد ، وأنه لا يصوم أحد عن أحد ، وإنما يطعم عنه عند مالك إذا أوصى به . والثالث : يطعم عنه كل يوم نصف صاع ، روى ذلك عن ابن عباس ، وهو قول سفيان الثوري . والرابع : يطعم عنه عن كل يوم صاعا من غير البر ، ونصف صاع من البر ، وهو قول أبي حنيفة ، وهذا إذا أوصى به ، فإن لم يوصِ فلا يطعم عنه . الخامس : التفرقة بين صوم رمضان وبين صوم النذر ، فيصوم عنه وليه ما عليه من نذر . ويطعم عنه عن كل يوم من رمضان مدا ، وهو قول أحمد وإسحاق ، وحكاه النووي عن أبي عبيد أيضا . والسادس : أنه لا يصوم عنه الأولياء إلاَّ إذا لم يجدوا ما يطعم عنه ، وهو قول سعيد بن المسيب والأوزاعي . وحجة أصحابنا الحنفية ، ومن تبعهم في هذا الباب ، في أن : من مات وعليه صيام لا يصوم عنه أحد ، ولكنه إن أوصى به أطعم عنه وليه كل يوم مسكين نصف صاع من بر أو صاعا من تمر أو شعير ، ما رواه النسائي ( عن ابن عباس : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( لا يصلي أحد عن أحد ، ولكن يطعم عنه ) . وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من مات وعليه صوم شهر فليطعم عنه مكان كل يوم مسكين ) . قال القرطبي في ( شرح الموطأ ) إسناده حسن . قلت : هذا الحديث رواه الترمذي ، وقال : حدثنا قتيبة حدثنا عبثر بن القاسم عن أشعث عن محمد عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال : ( لا نعرفه مرفوعا إلاَّ من هذا الوجه ، والصحيح عن ابن عمر موقوف ، ورواه ابن ماجة أيضا عن محمد بن يحيى عن قتيبة ، إلاَّ أنه قال : عن محمد بن سيرين عن نافع ، وقال الحافظ المزي : وهو وهم ، وقال شيخنا : وقد شك عبثر في محمد هذا فلم يعرف من هو ، كما رواه ابن عدي في ( الكامل ) من رواية الوليد بن شجاع عن عبثر بن أبي زبيد عن الأشعث عن محمد ، لا يدري أبو زبيد عن محمد ، فذكر الحديث ، ثم قال ابن عدي بعده ، ومحمد هو ابن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، قال : وهذا الحديث لا أعلمه يرويه عن أشعث غير عبثر ، ورواه البيهقي من رواية يزيد بن هارون عن شريك عن محمد بن عبد الوارث بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن نافع ( عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم في الذي يموت وعليه رمضان ولم يقضه ، قال : يطعم عنه لكل يوم نصف صاع من بر ، قال البيهقي : هذا خطأ من وجهين . أحدهما : رفعه الحديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، وإنما هو من قول ابن عمر . والآخر : قوله : نصف صاع ، وإنما قال : مدا من حنطة ، وضعفه عبد الحق في أحكامه بأشعث وابن أبي ليلى . وقال الدارقطني في ( علله ) : المحفوظ موقوف ، هكذا رواه عبد الوهاب بن بخت عن نافع عن ابن عمر ، رضي الله تعالى عنهما ، وقال البيهقي في ( المعرفة ) ؛ لا يصح هذا الحديث ، فإن محمد بن أبي ليلى كثير الوهم ، ورواه أصحاب نافع عن نافع عن ابن عمر . قوله : قلت : رفع هذا الحديث قتيبة في رواية الترمذي عن عبثر