العيني
6
عمدة القاري
للحجة وباحثا عن موقعها ليعرف من أين قال أبو هريرة ما قاله من ذلك ؟ وفيه : اعتراف العالم بالحق وإنصافه إذا سمع الحجة ، وهكذا أهل العلم والدين أولو إنصاف واعتراف . وفيه : دليل على ترجيح رواية صاحب الخبر إذا عارضه حديث آخر ، وترجيح ما رواه النساء مما يختص بهن إذا خالفهن فيه الرجال ، وكذلك الأمر فيما يختص بالرجال على ما أحكمه الأصوليون في : باب الترجيح للآثار . وفيه : حسن الأدب مع الأكابر وتقدير الاعتذار قبل تبليغ ما يظن المبلغ أن المبلغ يكرهه . وقد اختلف العلماء فيمن أصبح جنبا وهو يريد الصوم : هل يصح صومه أم لا ؟ على سبعة أقوال : الأول : أن الصوم صحيح مطلقا فرضا كان أو تطوعا أخر الغسل عن طلوع الفجر عمدا أو لنوم أو نسيان ، لعموم الحديث ، وبه قال علي وابن مسعود وزيد بن ثابت وأبو الدرداء وأبو ذر وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس ، رضي الله تعالى عنهم . وقال أبو عمر : إنه الذي عليه جماعة فقهاء الأمصار بالعراق والحجاز أئمة الفتوى بالأمصار ، مالك وأبو حنيفة والشافعي والثوري والأوزاعي والليث وأصحابهم وأحمد وإسحاق وأبو ثور وابن علية وأبو عبيدة وداود وابن جرير الطبري وجماعة من أهل الحديث . الثاني : أنه لا يصح صوم من أصبح جنبا مطلقا ، وبه قال الفضل بن عباس وأسامة بن زيد وأبو هريرة ، ثم رجع أبو هريرة عنه كما ذكرناه . الثالث : التفرقة بين أن يؤخر الغسل عالما بجنابته أم لا ، فإن علم وأخره عمدا لم يصح وإلاَّ صح ، روي ذلك عن طاووس وعروة بن الزبير وإبراهيم النخعي ، وقال صاحب ( الإكمال ) : ومثله عن أبي هريرة . الرابع : التفرقة بين الفرض والنفل فلا يجزيه في الفرض ويجزيه في النفل ، روي ذلك عن إبراهيم النخعي أيضا ، حكاه صاحب ( الإكمال ) عن الحسن البصري ، وحكى أبو عمر عن الحسن بن حي أنه : كان يستحب لمن أصبح جنبا في رمضان أن يقضيه ، وكان يقول : يصوم الرجل تطوعا وإن أصبح جنبا فلا قضاء عليه . الخامس : أن يتم صومه ذلك اليوم ويقضيه . روي ذلك عن سالم بن عبد الله والحسن البصري أيضا وعطاء بن أبي رباح . السادس : أنه يستحب القضاء في الفرض دون النفل ، حكاه في ( الاستذكار ) عن الحسن بن صالح بن حي . السابع : أنه لا يبطل صومه إلاَّ أن تطلع عليه الشمس قبل أن يغتسل ويصلي ، فيبطل صومه ، قاله ابن حزم بناء على مذهبه في أن المعصية عمدا تبطل الصوم . فإن قلت : حديث الفضل فيه : أن من أصبح جنبا فلا يصوم ، وحديث عائشة وأم سلمة فيه حكاية فعله صلى الله عليه وسلم أنه كان يصبح جنبا ثم يصوم ، فهلا جمعتم بين الحديثين بحمل حديثهما على أنه من الخصائص ، وحديث الفضل لغيره من الأمة ؟ وأيضا فليس في حديثيهما أنه أخر الغسل عن طلوع الفجر عمدا ، فلعله نام عن ذلك . قلت : الأصل عدم التخصيص ، ومع ذلك ففي الحديث التصريح بعدم الخصوص ، فروى مالك عن عبد الله بن عبد الرحمن بن معمر عن أبي يونس ، مولى عائشة ، ( عن عائشة : أن رجلاً قال لرسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، وهو واقف على الباب وأنا أسمع : يا رسول الله ! إني أصبح جنبا ، وأنا أريد الصيام ! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : وأنا أصبح جنبا وأنا أريد الصيام ، فأغتسل وأصوم ، فقال له الرجل : يا رسول الله إنك لست مثلنا ، قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ، فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : إني أرجو أن أكون أخشاكم لله ، وأعلمكم بما اتقي ) . ومن طريق مالك أخرجه أبو داود ، وأخرجه مسلم والنسائي من رواية إسماعيل بن جعفر عن عبد الله بن عبد الرحمن بنحوه . وقال هَمَّامٌ وابْنُ عَبْدِ الله بنِ عُمرَ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ كانَ النبي صلى الله عليه وسلم يأمُرُ بالْفِطْرِ والأوَّلُ أسْندُ همام هو ابن منبه الصنعاني ، وقد مر في : باب حسن إسلام المرء ، وهذا التعليق وصله أحمد وابن حبان من طريق معمر عنه بلفظ : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إذا نودي للصلاة صلاة الصبح أحدكم جنب فلا يصم يومئذ ) . قوله : ( وابن عبد الله ) ، بالرفع عطف على همام ، وكان لعبد الله بنون ستة . قال الكرماني : والظاهر أن المراد بابن عبد الله هنا هو سالم لأنه يروي عن أبي هريرة ، رضي الله تعالى عنه . قلت : الجزم بأنه سالم بن عبد الله غير صحيح ، لأن فيه اختلافا ، فقيل : هو عبد الله بن عمر ، وقيل : هو عبيد الله بن عبد الله بالتكبير والتصغير . في اسم الابن ، ولأجل هذا الاختلاف لم يسمه البخاري صريحا ، وأما تعليق