العيني
5
عمدة القاري
( فقال مروان لعبد الرحمن : أقسمت عليك لتركبن دابتي فإنها بالباب ، ولتذهبن إلى أبي هريرة فإنه بأرضه بالعقيق ، فلتخبرنه ، فركب عبد الرحمن وركبت معه ) ، أي : قال أبو بكر بن عبد الرحمن : وركبت مع عبد الرحمن ، فهذه تخالف رواية الكتاب ، فإن العقيق غير ذي الحليفة ، لأن العقيق واد بظاهر المدينة مسيل للماء ، وهو الذي ورد ذكره في الحديث أنه وادٍ مبارك ، وكل مسيل شقه ماء السيل فهو عقيق ، والجمع أعقة . قلت : لا تخالف بين الروايتين من حيث إن أبا هريرة كانت له أرض أيضا بالعقيق ، فالظاهر أن أبا بكر وأباه عبد الرحمن قصدا أبا هريرة للاجتماع له امتثالاً لأمر مروان ، فأتيا إلى العقيق بناء على أنه هناك فلم يجداه ، فذهبا إلى ذي الحليفة فوجداه هناك . فإن قلت : وقع في رواية معمر عن الزهري عن أبي بكر : فقال مروان : عزمت عليكما لما ذهبتما إلى أبي هريرة ، قال : فلقينا أبا هريرة عند باب المسجد قلت : الجواب الحسن هنا أن يقال : المراد بالمسجد مسجد ذي الحليفة ، لأنهم ذكروا أن بذي الحليفة عدة آبار ومسجدان للنبي ، صلى الله عليه وسلم . وقال بعضهم : الظاهر أن المراد بالمسجد هنا مسجد أبي هريرة بالعقيق لا المسجد النبوي . قلت : سبحان الله ما أبعد هذا من منهج الصواب ، لأنه قال أولاً في التوفيق بين قوله : بذي الحليفة ، وقوله : بالعقيق : يحتمل أن يكونا يعني : أبا بكر وأباه عبد الرحمن قصدا إلى العقيق بناء على أن أبا هريرة فيها فلم يجداه ، قال : ثم وجداه بذي الحليفة ، وكان له بها أيضا أرض ، ومعنى كلامه : أنهما لما لم يجداه بالعقيق ذهبا إلى ذي الحليفة فوجداه هناك عند باب المسجد ، فيلزم من مقتضى كلامه أنهم عادوا من ذي الحليفة إلى العقيق ولاقياه فيها عند باب المسجد ، وهذا كلام خارج أجنبي عن مقتضى معنى التركيب ، لأنهم لو كانوا عادوا من ذي الحليفة إلى العقيق ، كيف كان أبو بكر وعبد الرحمن يقولان : لقينا أبا هريرة عند باب المسجد ؟ والحال أن أبا هريرة كان معهما على مقتضى كلامه ؟ ثم ذكر هذا القائل وجها آخر أبعد من الأول ، حيث قال : أو يجمع بأنهما التقيا بالعقيق ، فذكر له عبد الرحمن القصة مجملة ، أو لم يذكرها ، بل شرع فيها ثم لم يتهيأ له ذكر تفصيلها وسماع جواب أبي هريرة إلاَّ بعد أن رجعا إلى المدينة ، وأرادا دخول المسجد النبوي . قلت : الذي حمله على هذا التفسير تفسيره المسجد : بمسجد العقيق ، ولو فسره بمسجد ذي الحليفة لاستراح وأراح ، على أنا نقول : من قال : إنه كان لأبي هريرة مسجد بالعقيق ، وأما المسجد الذي بذي الحليفة فقد نص عليه أهل السير والإخباريون ، ولا دلالة أصلاً في الحديث على هذا التوجيه الذي ذكره ، ولا قال به أحد قبله . قوله : ( إني ذاكر أمرا ) وفي رواية الكشميهني : ( إني أذكر لك ) ، بصيغة المضارع . قوله : ( لم أذكره لك ) ، وفي رواية الكشميهني : ( لم أذكر ذلك ) . قوله : ( كذلك حدثني الفضل بن عباس ) ، وقد أحال أبو هريرة فيه مرة على الفضل ، ومرة على أسامة بن زيد فيما رواه عمر بن أبي بكر بن عبد الرحمن عن أبيه عن جده ، ومرة قال : أخبرنيه مخبر ، ومرة قال : حدثني فلان وفلان ، فيما رواه ابن حبان عن عبد الملك بن أبي بكر عن أبيه عنه على ما ذكرناه عن قريب ، وروي عنه أنه قال : لا ورب هذا البيت ، ما أنا قلت : من أدرك الصبح جنبا فلا يصم محمد ، صلى الله عليه وسلم ، ورب الكعبة قاله . ثم حدثنيه الفضل ) . قوله : ( وهو أعلم ) أي : الفضل أعلم مني بما روى ، والعهدة عليه في ذلك لا علي . ذكر ما يستفاد منه فيه : بيان الحكم الذي بوب الباب لأجله . وفيه : دخول الفقهاء على السلطان ومذاكرتهم له بالعلم . وفيه : ما كان عليه مروان من الاشتغال بالعلم ومسائل الدين ، مع ما كان عليه من الدنيا ، ومروان عندهم أحد العلماء وكذلك ابنه عبد الملك . وفيه : ما يدل على أن الشيء إذا تنوزع فيه رد إلى من يظن أنه يوجد عنده علم منه ، وذلك أن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أعلم الناس بهذا المعنى بعده . وفيه : أن من كان عنده علم في شيء وسمع بخلافه كان عليه إنكاره ، من ثقة سمع ذلك أو غيره ، حتى يتبين له صحة خلاف ما عنده . وفيه : أن الحجة القاطعة عند الاختلاف فيما لا نص فيه من الكتاب وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم . وفيه : إثبات الحجة في العمل بخبر الواحد العدل وأن المرأة في ذلك كالرجل سواء ، وأن طريق الإخبار في هذا غير طريق الشهادات . وفيه : طلب الحجة وطلب الدليل والبحث على العلم حتى يصح فيه وجه ، ألا ترى أن مرواه لما أخبره عبد الرحمن بن الحارث عن عائشة وأم سلمة بما أخبره به من هذا الحديث ، بعث إلى أبي هريرة طالبا