العيني
325
عمدة القاري
بيان اللغات : قوله ( والوقار ) ، بفتح الواو ، الرزانة ، ( والسكينة ) ، السكون وقال الجوهري : السكينة : الوداع ، والوقار ، قوله ( استعفوا ) ، من الاستعفاء ، وهو طلب العفو ، والمعنى : اطلبوا له العفو من الله . كذا هو في أكثر الروايات ، بالعين المهملة والواو في آخره ، وفي رواية ابن عساكر : ( استغفروا ) ، بغين معجمة وراء ، من الاستغفار ، وهي رواية الأصيلي في ( المستخرج ) . بيان الإعراب : قوله ( سمعت ) . جملة من الفعل والفاعل . وجرير بن عبد الله مفعوله ، وفيه تقدير لا يصح الكلام ، إلا به ، لأن جريراً ذات ، والمسموع هو الصوت والحروف ، وهو : سمعت قول جرير بن عبد الله أو نحوه ، فلما حذف هذا وقع ما بعده تفسيراً له ، وهو قوله : يقول . ويوم نصب على الظرفية أضيف إلى الجملة ، أعني : قوله : مات المغيرة بن شعبة . قوله ( قام ) جملة استئنافية لا محل لها من الإعراب . قوله ( فحمد الله ) عطف عليه ، أي : عقيب قيامه حمد الله تعالى . قوله ( عليكم ) اسم من أسماء الأفعال معناه : الزموا اتقاء الله . قوله ( وحده ) ، نصب على الحالية ، وإن كان معرفة لأنه مؤول إما بأنه في معنى واحداً ، وإما بأنه مصدر : وحد يحد وحداً ، نحو وعد يعد وعداً . قوله ( لا شريك له ) ، جملة تؤكد معنى : وحده . قوله ( والوقار ) بالجر عطف على : باتقاء الله ، أي : وعليكم بالوقار والسكون . قوله ( حتى يأتيكم أمير ) . كلمة : حتى ، هذه للغاية ، و : يأتيكم ، منصوب بأن المقدرة بعد حتى . فإن قلت : هذا يقتضي أن لا يكون بعد إتيان الأمير الاتقاء والوقار والسكون ، لأن حكم ما بعد : حتى ، التي للغاية خلاف ما قبل . قلت : قال الكرماني : لا نسلم أن حكمه خلاف ما قبله ، سلمنا لكنه غاية للأمر بالاتقاء لا للأمور الثلاثة ، أو غاية للوقار والسكون لا للاتقاء ، أو غاية للثلاثة . وبعد الغاية ، يعني عند إتيان الأمير يلزم ذلك بالطريق الأولى ، وهذا مبني على قاعدة أصولية وهي : إن شرط اعتبار مفهوم المخالفة فقدان مفهوم الموافقة ، وإذا اجتمعا يقدم المفهوم الموافق على المخالف . قلت : مفهوم الموافقة ما كان حكم المسكوت عنه موافقاً لحكم المنطوق به ، كمفهوم تحريم الضرب للوالدين ، من تنصيص تحريم التأفيف لهما ، ومفهوم المخالفة ما كان حكم المسكوت عنه مخالفاً لحكم المنطوق ، كفهم نفي الزكاة عن العلوفة بتنصيصه صلى الله عليه وسلم على وجوب الزكاة في الغنم السائمة . قوله ( فإنما يأتيكم ) أي : الأمير ، وكلمة : إنما ، من أداة الحصر . قوله ( الآن ) ، نصب على الظرف . قوله ( فإنه ) الفاء : فيه للتعليل . وقوله ( كان يحب العفو ) ، جملة في محل الرفع على أنها خبر إن . قوله ( أما بعد ) ، كلمة : أما ، فيها معنى الشرط ، فلذلك كانت الفاء لازمة لها ، و : بعد ، من الظروف الزمانية ، وكثيراً ما يحذف منه المضاف إليه ويبنى على الضم ، ويسمى غاية . وههنا قد حذف ، فلذلك بني على الضم ، والأصل : أما بعد الحمد لله والثناء عليه ، أو التقدير : أما بعد كلامي هذا ، فإني أتيت : قوله ( قلت ) جملة من الفعل والفاعل بدل من قوله ( أتيت ) فلذلك ترك العاطف حيث لم يقل : وقلت ، أو : هي استئناف . وقوله : فشرط على بتشديد الياء في : على ، على الصحيح من الروايات ، والمفعول محذوف تقديره : فشرط على الإسلام . قوله ( والنصح ) بالجر لأنه عطف على الإسلام ، أي : وعلى النصح لكل مسلم ، ويجوز فيه النصب عطفاً على مفعول شرط مقدر تقديره : وشرط النصح لكل مسلم . قوله ( على ) هذا إشارة إلى المذكور من الإسلام والنصح كليهما . قوله ( ورب هذا المسجد ) الواو فيه للقسم ، وأشار به إلى مسجد الكوفة . قوله ( إني لناصح ) جواب القسم ، وأكده بأن واللام والجملة الإسمية . قوله ( ونزل ) أي : عن المنبر ، أو معناه : قعد ، لأنه في مقابلة : قام . فافهم . بيان المعاني : قوله ( يوم مات المغيرة ) . كانت وفاته سنة خمسين من الهجرة ، وكان والياً على الكوفة في خلافة معاوية ، واستناب عند موته ابنه عرفة . وقيل : استناب جريراً المذكور ، ولهذا خطب الخطبة المذكورة . قوله ( فحمد الله ) . أي اثنى عليه بالجميل ، وأثنى عليه أي : ذكره بالخير ، ويحتمل أن يراد بالحمد وصفه متحلياً بالكمالات ، وبالثناء وصفه متخلياً عن النقائص ، فالأول إشارة إلى الصفات الوجودية ، والثاني : إلى الصفات العدمية : أي التنزيهات . قوله ( حتى يأتيكم أمير ) أي : بدل هذا الأمير الذي مات ، وهو المغيرة . فإن قلت : لم نصحهم بالحلم والسكون ؟ قلت : لأن الغالب أن وفاة الأمراء تؤدي إلى الفتنة والاضطراب بين الناس ، والهرج والمرج ، وأما ذكره الاتقاء فلأنه ملاك الأمر ورأس كل خير ، وأشار به إلى ما يتعلق بمصالح الدين ، وبالوقار والسكينة إلى ما يتعلق بمصالح الدنيا . وقوله ( فإنما يأتيكم الآن ) إما أن يراد به حقيقته ، فيكون ذلك الأمير جريراً بنفسه . لما روى أن المغيرة استخلف جريراً على الكوفة عند موته على ما ذكرنا ، أو يريد به المدة القريبة من