العيني
300
عمدة القاري
والرابع : الوقف . وقال المازري : المشتبهات المكروه لا يقال فيه حلال ولا حرام بين . وقال غيره : فيكون الورع تركه ، وقال الخطابي : من أمثلة المتشابهات معاملة من كان في ماله شبهة ، أو خالطه رباً ، فهذا يكره معاملته . وقال القرطبي : لا شك أن ثَمَّ أموراً جلية التحريم ، وأموراً جلية التحليل ، وأموراً مترددة بين الحل والحرمة ، وهو الذي تتعارض فيها الأدلة ، فهي المشتبهات ، واختلف في حكمها . فقيل : حرام لأنها توقع في الحرام ، وقيل : مكروهة ، والورع تركها . وقيل : لا يقال فيها واحد منهما ، والصواب الثاني ، لأن الشرع أخرجها من الحرام فهي مرتاب فيها . وقال عليه السلام : ( دع ما يريبك إلى ما لا يريبك ) ، فهذا هو الورع . وقال بعض الناس : إنها حلال يتورع عنها . قال القرطبي : ليست هذه عبارة صحيحة ، لأن أقل مراتب الحلال ان يستوي فعله وتركه ، فيكون مباحاً ، وما كان كذلك لا يتصور فيه الورع ، فإنه إن ترجح أحد طرفيه على الآخر خرج عن أن يكون مباحاً ، وحينئذ : إما أن يكون تركه راجحاً على فعله ، وهو المكروه ، أو فعله راجحاً على تركه وهو المندوب ، فأما مثل ما تقدم مما يكون دليله غير خال عن الاحتمال البين : كجلد الميتة بعد الدباغ ، فإنه غير طاهر على المشهور من مذهب مالك ، فلا يستعمل في شيء من المائعات لأنها تنجس ، لا الماء وحده ، فإنه عنده يدفع النجاسة ما لم يتغير ، هذا هو الذي ترجح عنده ، لكنه كان يتقي الماء في خاصة نفسه . وحكي عن أبي حنيفة وسفيان الثوري ، رضي الله عنهما ، أنهم قالا : لأن أخر من السماء أهون علي من أن افتي بتحريم قليل النبيذ ، وما شربته قط ، ولا أشربه . فعملوا بالترجيح في الفتيا ، وتورعوا عنه في أنفسهم . وقال بعض المحققين ، من حكم الحكيم أن يوسع على المسلمين في الأحكام ، ويضيق على نفسه ، يعني به هذا المعنى ، ومنشأ هذا الورع الالتفات إلى إمكان اعتبار الشرع ذلك المرجوح ، وهذا الالتفات ينشأ من القول : بان المصيب واحد ، وهو مشهور مذهب مالك ، ومنه ثار القول في مذهبه بمراعاة الخلاف . قلت : وكذلك أيضا كان الشافعي ، رحمه الله ، يراعي الخلاف ، وقد نص على ذلك في مسائل ، وقد قال أصحابه بمراعاة الخلاف حيث لا تفوت به سنة في مذهبهم ، وقد عقب البخاري هذا الباب بما ذكره في كتاب البيوع في باب تفسير الشبهات ، قال فيه : وقال حسان بن أبي سنان : ما رأيت شيئاً أهون من الورع : دع ما يريبك إلى ما لا يريبك . وأورد فيه حديث المرأة السوداء ، وأنها أرضعته وزوجته . وقول النبي صلى الله عليه وسلم ؛ وكيف وقد قيل ، وحديث ابن وليدة زمعة ، وأنه قضى به لعبد بن زمعة أخيه بالفراش ، ثم قال لسودة : احتجبي منه لما رأى من شبهه ، فما رآها حتى لقي الله تعالى ، وحديث عدي بن حاتم ، رضي الله عنه ، وقوله : أجد مع كلبي على الصيد كلباً آخر ، لا أدري أيهما أخذ . قال : لا تأكل . ثم ذكر حديث التمرة المسقوطة ، وقول النبي ، صلى الله عليه وسلم : ( لولا أن تكون صدقة لأكلتها ) ، ثم عقبه بما لا يجتنب ، فقال : باب من لم ير الوساوس ونحوها من الشبهات ، وذكر فيه حديث الرجل يجد الشيء في الصلاة . قال : لا ، حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً ، ثم ذكر حديث عائشة ، رضي الله عنها : ( أن قوماً قالوا : يا رسول الله ، إن قوماً يأتوننا باللحم لا ندري أذكروا اسم الله عليه أم لا ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : سموا عليه وكلوه ) . قلت : فتحصل لنا مما تقدم ذكره أن المشتبهات المذكورة في الحديث التي ينبغي اجتنابها فيه أقوال . أحدها : أنه الذي تعارضت فيه الأدلة فاشتبهت ، فمثل هذا يجب فيه الوقف إلى الترجيح ، لأن الإقدام على أحد الأمرين من غير رجحان الحكم بغير دليل محرم . والثاني : المراد به المكروهات ، وهو قول الخطابي والمازري وغيرهما ، ويدخل فيه مواضع اختلاف العلماء . والثالث : أنه المباح ، وقال بعضهم : هي حلال يتورع عنها ، وقد رده القرطبي كما تقدم ، وقال : فإن قيل : هذا يؤدي إلى رفع معلوم من الشرع ، وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء بعده وأكثر أصحابه كانوا يزهدون في المباح ، فرفضوا التنعم بطيب الأطعمة ولين اللباس وحسن المساكن ، وتلبسوا بضدها من خشونة العيش ، وهو معلوم منقول من سيرهم ، قال : فالجواب أن ذلك محمول على موجب شرعي اقتضى ترجيح الترك على الفعل ، فلم يزهدوا في مباح ، لأن حقيقته التساوي ، بل في أمر مكروه ، ولكن المكروه تارة يكرهه الشرع ، من حيث هو ، وتارة يكرهه لما يؤدي إليه : كالقبلة للصائم ، فإنها تكره لما يخاف منها من إفساد الصوم ، ومسألتنا من هذا القبيل ، لأنه انكشف لهم من عاقبة ما خافوا على نفوسهم منه مفاسد ، أما في الحال من الركون إلى الدنيا ، وأما في المآل من الحساب عليه والمطالبة بالشكر وغيره ، وهذا آخر كلامه . قلت : وقد اختلف أصحاب الشافعي ، رحمه الله تعالى ، في ترك الطيب وترك لبس الناعم ، فقال الشيخ أبو حامد الإسفرائني : إن ذلك ليس بطاعة ، واستدل بقوله تعالى : * ( قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة ) * ( الأعراف : 32 ) . وقال الشيخ أبو الطيب الطبري : إنه طاعة ،