العيني
301
عمدة القاري
ودليله ما علم من أمر السلف من خشونة العيش . وقال ابن الصباغ : يختلف ذلك باختلاف أحوال الناس ، وتفرغهم للعبادة وقصودهم واشتغالهم بالضيق والسعة . وقال الرافعي ، من أصحابنا : هذا هو الصواب ، وأما ما يخرج إلى باب الوسوسة من تجويز الأمر البعيد فهذا ليس من المشتبهات المطلوب اجتنابها ، وقد ذكر العلماء له أمثلة ؛ فقالوا : هو ما يقتضيه تجويز أمر بعيد كترك النكاح من نساء بلد كبير خوفاً أن يكون له فيها محرم ، وترك استعمال ماء في فلاة لجواز عروض النجاسة ، أو غسل ثوب مخافة طرؤ نجاسة عليه لم يشاهدها ، إلى غير ذلك مما يشبهه ، فهذا ليس من الورع . وقال القرطبي : الورع في مثل هذا وسوسة شيطانية ، إذ ليس فيها من معنى الشبهة شيء ، وسبب الوقوع في ذلك عدم العلم بالمقاصد الشرعية . قلت : من ذلك ما ذكره الشيخ الإمام عبد الله بن يوسف الجويني ، والد إمام الحرمين ، فحكى عن قوم أنهما لا يلبسون ثياباً جدداً حتى يغسلوها ، لما فيها ممن يعاني قصر الثياب ، ودقها وتجفيفها ، وإلقائها وهي رطبة على الأرض النجسة ، ومباشرتها بما يغلب على الظن نجاسته من غير أن يغسل بعد ذلك ، فاشتد نكيره عليهم ، وقال : هذه طريقة الخوارج الحرورية ، أبلاهم الله ، تعالى بالغلق في غير موضع القلق ، وبالتهاون في موضع الاحتياط ، وفاعل ذلك معترض على أفعال النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة ، والتابعين ، فإنهم كانوا يلبسون الثياب الجدد قبل غسلها ، وحال الثياب في أعصارهم ، كحالها في أعصارنا ، ولو أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بغسلها ما خفي ، لأنه مما تعم به البلوى ، وذكر أيضا : أن قوماً يغسلون أفواههم إذا أكلوا الخبز خوفاً من روث الثيران عند الدياس ، فإنها تقيم أياما في المداسة ، ولا يكاد يخلو طحين عن ذلك . قال الشيخ : هذا غلو وخروج عن عادة السلف ، وما روى أحد من الصحابة والتابعين أنهم رأوا غسل الفم من ذلك . فإن قيل : كيف قال النبي ، عليه الصلاة والسلام ، في التمرة التي وجدها في بيته : لولا إني أخاف أن تكون من الصدقة لأكلتها ؟ ودخول الصدقة بيت النبي ، عليه الصلاة والسلام ، بعيد لأنها كانت محرمة عليه . وأجيب عنه : أن ما توقعه النبي ، عليه الصلاة والسلام ، لم يكن بعيداً ، لأنهم كانوا يأتون بالصدقات إلى المسجد ، وتوقع أن يكون صبي أو من لا يعقل أدخل التمرة البيت ، فاتقى ذلك لقربه . قوله : ( لا يعلمها كثير من الناس ) اي : لا يعلم المشتبهات كثير من الناس ، أراد : لا يعلم حكمها ، وجاء ذلك مفسراً في رواية الترمذي : ( وهي لا يدري كثير من الناس أمن الحلال هي أم من الحرام ؟ ) وقال الخطابي : معنى مشتبهات : أي تشتبه على بعض الناس دون بعض ، لا أنها في نفسها مشتبهة على كل الناس لا بيان لها ، بل العلماء يعرفونها ، لأن الله تعالى جعل عليها دلائل يعرفها بها أهل العلم ، ولهذا قال ، عليه السلام : ( لا يعلمها كثير من الناس ) ولم يقل : لا يعلمها كل الناس ، أو أحد منهم ، وقال بعض العلماء : معرفة حكمها ممكن ، لكن للقليل من الناس وهم : المجتهدون ، فالمشتبهات على هذا في حق غيرهم ، وقد يقع لهم حيث لا يظهر لهم ترجيح لأحد اللفظين . قوله : ( استبرأ ) أي : طلب البراءة في دينه من النقص ، وعرضه من الطعن فيه . قوله : ( لدينه ) إشارة إلى ما يتعلق بالله تعالى ، وقوله : وعرضه ، إشارة إلى ما يتعلق بالناس ، أو ذاك إشارة إلى ما يتعلق بالشرع ، وهذا إلى المروءة . فان قلت : لِمَ قدم العرض على الدين ؟ قلت : القصد هو ذكرهما جميعا من غير نظر إلى الترتيب ، لأن الواو لا تدل على الترتيب على ما عرف في موضعه ، وأما تقديم : العرض ، فيمكن أن يكون لأجل تعلقه بالناس المقتضي لمزيد الاهتمام به . قوله : ( ومن وقع في الشبهات ) قال الخطابي : كل شيء أشبه الحلال من وجه ، والحرام من وجه فهو شبهة . وقال غيره : هذا يكون لأحد وجهين : أحدهما : إذا عود نفسه عدم التحرر مما يشتبه أثر ذلك في استهانته ، فوقع في الحرام مع العلم به . والثاني : أنه إذا تعاطى الشبهات وقع في الحرام في نفس الأمر ، وقد قيل بدل الوجه الثاني : إن من أكثر وقوع الشبهات أظلم قلبه عليه لفقدان نور العلم والورع ، فيقع في الحرام ولا يشعر به ، وقال ابن بطال : وفيه دليل أن من لم يتق الشبهات المختلف فيها ، وانتهك حرمتها ، فقد أوجد السبيل على عرضه فيما رواه واشهد به . قلت : حاصل ما ذكر العلماء ههنا في تفسير الشبهات أربعة أشياء . تعارض الأدلة ، واختلاف العلماء ، وقسم المكروه والمباح . وقد قيل : المكروه عقبة بين الحل والحرام ، فمن استكثر من المكروه تطرق إلى الحرام ، والمباح عقبة بينه وبين المكروه ، فمن استكثر منه تطرق إلى المكروه ، ويعضد هذا ما رواه ابن حبان من طريق ذكر مسلم أسنادها ولم يسبق لفظها ، فيها من الزيادة : ( اجعلوا بينكم وبين الحرام سترة من الحلال ، من فعل ذلك استبرأ لعرضه ودينه ، ومن ارتع فيه كان كالمرتع إلى جنب الحمى يوشك ان يقع فيه ) . قوله : ( كراع