العيني

299

عمدة القاري

ضمير هو فاعله . وقوله : ( إن يواقعه ) في موضع نصب لأنه بمنزلة يقارب الراعي المواقعة في الحمى ، وأعاده الكرماني إلى الحرام ، وما قلنا أوجه وأصوب . وأما إذا كانت موصولة فتكون مرفوعة بالابتداء ، وخبرها هو قوله : كراع يرعى ، ولا يكون فيه حذف ، والتقدير : الذي وقع في الشبهات كراع يرعى ، أي : مثل راع يرعى مواشيه حول الحمى ، وقوله : يوشك استئناف قوله : ( ألا ) بفتح الهمزة وتخفيف اللام ، وحرف التنبيه ، فيدل على تحقق ما بعدها ، وتدخل على الجملتين نحو : * ( ألا أنهم هم السفهاء ) * ( البقرة : 13 ) * ( ألا يوم يأتيهم ليس مصروفا عنهم ) * ( هود : 8 ) . وإفادتها التحقيق من جهة تركيبها من الهمزة ، و : لا وهمزة الاستفهام إذا دخلت على النفي أفادت التحقيق نحو : * ( أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى ) * ( القيامة : 40 ) وقال الزمخشري : ولكونها بهذا المنصب من التحقيق لا تقع الجملة بعدها إلاَّ مصدرة بنحو ما يتلقى به القسم ، نحو : * ( ألا إن أولياء الله ) * ( يونس : 62 ) قوله : ( ألا وإن لكل ملك حمى ) ، الواو فيه عطف على مقدر تقديره : ألا إن الأمر كما تقدم ، وإن لكل ملك حمى . وقوله : ( حمى ) نصب لأنه اسم إن ، وخبرها هو قوله : ( لكل ملك ) مقدما . قوله : ( ألا وإن حمى الله محارمه ) ، هكذا رواية المستملي ، وفي رواية غيره : ( ألا إن حمى الله في أرضه محارمه ) . وفي رواية أبي فروة : ( معاصيه ) بدل : محارمه ، ولم يذكر : الواو ، ههنا في رواية أبي ذر ، وفي رواية غيره بالواو : ( ألا وإن حمى الله محارمه ) فإن قلت : ما وجه ذكر : الواو ، ههنا وتركها ؟ وما وجه ذكرها في قوله : ( إلا وإن في الجسد ) ؟ قلت : أما وجه ذكرها في قوله : ( ألا وإن حمى الله ) فبالنظر إلى وجود التناسب بين الجملتين من حيث ذكر الحمى فيها ، وأما وجه تركها فبالنظر إلى بعد المناسبة بين حمى الملوك ، وبين حمى الله الذي هو الملك الحق لا ملك حقيقة الإل 1764 ; ه تعالى ، وأما وجه ذكرها في قوله : ( ألا وإن في الجسد ) ، فبالنظر إلى وجود المناسبة بين جملتين نظرا إلى أن الأصل في الاتقاء والوقوع هو ما كان بالقلب ، لأنه عماد الأمر وملاكه ، وبه قوامه ونظامه ، وعليه تبنى فروعه ، وبه تتم أصوله ، قوله : ( مضغة ) نصب لأنه اسم إن وخبرها هو قوله : ( في الجسد ) مقدما . وقوله : ( إذا صلحت ) أي : المضغة وهي : القلب ، وكلمة إذا ههنا بمعنى : إن ، لأن مدخول : إذا ، لا بد أن يكون متحقق الوقوع ، وههنا الصلاح غير متحقق لاحتمال الفساد ، والقرينة على ذلك ذكر المقابل فافهم . قوله : ( صلح الجسد ) جواب : إذا ، وكذلك الكلام في قوله : ( وإذا فسدت ) . قوله : ( وهي القلب ) جملة اسمية بالواو ، وأيضا عطف على مقدر . بيان المعاني : أجمع العلماء على عظم موقع هذا الحديث ، وأنه أحد الأحاديث التي عليها مدار الإسلام . قالت جماعة : هو ثلث الإسلام ، وان الاسلام يدور عليه وعلى حديث . ( الأعمال بالنيات ) ، وحديث : ( من حسن اسلام المرء تركه ما لا يعنيه ) . وقال أبو داود : يدور على أربعة أحاديث هذه الثلاثة وحديث : ( لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ) . قالوا : سبب عظم موقعه انه ، عليه السلام ، نبه فيه على صلاح المطعم والمشرب والملبس والمنكح وغيرها ، وانه ينبغي أن يكون حلالاً ، وأرشد إلى معرفة الحلال ، وأنه ينبغي ترك المشتبهات ، فإنه سبب لحماية دينه وعرضه ، وحذر من مواقعة الشبهات ، وأوضح ذلك بضرب المثل بالحمى ، ثم بين أهم الأمور وهو : مراعاة القلب . وقال ابن العربي : يمكن أن ينتزع من هذا الحديث وحده جميع الأحكام ، وقال القرطبي : لأنه اشتمل على التفصيل بين الحلال وغيره ، وعلى تعلق جميع الأعمال بالقلب فمن هنا يمكن أن يرد إليه جميع الأحكام . قوله : ( الحلال بين ) بمعنى : ظاهر ، بالنظر إلى ما دل على الحل بلا شبهة ، أو على الحرام بلا شبهة ، ( وبينهما مشتبهات ) أي : الوسائط التي يكتنفها دليلان من الطرفين ، بحيث يقع الاشتباه ويعسر ، ترجيح دليل أحد الطرفين إلاّ عند قليل من العلماء . وقال النووي : معناه أن الأشياء ثلاثة أقسام : حلال واضح لا يخفى حله كأكل الخبز والفواكه ، وكالكلام والمشي وغير ذلك . وحرام بين : كالخمر والدم والزنا والكذب وأشباه ذلك . واما المشبهات : فمعناه أنها ليست بواضحة الحل والحرمة ، ولهذا لا يعرفها كثير من الناس ، وأما العلماء فيعرفون حكمها بنص أو قياس أو استصحاب وغيره ، فإذا تردد الشيء بين الحل والحرمة ، ولم يكن نص ولا إجماع ، اجتهد فيه المجتهد فألحقه بأحدهما بالدليل الشرعي ، فإذا ألحقه به صار حلالاً أو حراماً . وقد يكون دليله غير خال عن الاجتهاد ، فيكون الورع تركه . وما لم يظهر للمجتهد فيه شيء ، وهو مشتبه ، فهل يؤخذ بالحل أو الحرمة ؟ أو يتوقف فيه ؟ ثلاثة مذاهب حكاها القاضي عياض عن أصحاب الأصول ، والظاهر أنها مخرجة على الخلاف المعروف في حكم الأشياء قبل ورود الشرع ، وفيه أربعة مذاهب : أحدها : ، وهو الأصح انه : لا يحكم بتحليل ولا تحريم ولا إباحة ولا غيرها ، لأن التكليف عند أهل الحق لا يثبت إلاَّ بالشرع . والثاني : ان الحكم الحل أو الإباحة . والثالث : المنع .