العيني
276
عمدة القاري
شهد لا إله الا الله وإني رسول الله كان مؤمناً كإيمان جبريل عليه السلام ، قلت : ذكره أبو سعيد النقاش في ( الموضوعات ) . وقال ، ابن بطال : لما طالت أعمارهم حتى رأوا ما لم يقدروا على إنكاره خشيوا على أنفسهم أن يكونوا في حيز من نافق أو داهن ، ويقال عن عائشة ، رضي الله عنها : إنها سألت النبي ، عليه السلام ، عن قوله تعالى : * ( والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة ) * ( المؤمنون : 60 ) فقال : هم الذين يصلون ويصومون ويتصدقون ويفرقون ان لا يتقبل منهم ، وقال بعض السلف في قوله تعالى : * ( وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون ) * ( الزمر : 47 ) أعمال كانوا يحتسبونها حسنات بدت سيئات ، وقال الكرماني : ويحتمل أن يكون قوله : وما منهم إشارة إلى مسألة زائدة استفادها من أحوالهم أيضاً ، وهي : أنهم كانوا قائلين بزيادة الإيمان ونقصانه . قلت : لا يفهم ذلك من حالهم ، وإنما الذي يفهم من حالهم أنهم كانوا خائفين سوء الخاتمة لعدم العصمة ، ويؤيد ذلك ما روي عن عائشة ، وبعض السلف . ويُذْكَرُ عن الَحسَنِ ما خافَهُ إلاَّ مُؤْمِنٌ ولا أمِنَهُ إلاَّ مُنافِقٌ الحسن هو : البصري ، رحمه الله ، أي : ما خاف الله تعالى إلاَّ مؤمن ، ولا أمِنَ الله تعالى إلاَّ منافق ، وكل واحد من : خاف وأمن ، يتعدى بنفسه . قال تعالى : * ( انما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم ) * ( آل عمران : 175 ) وقال الجوهري : أمنته على كذا وائتمنته بمعنى ، وقال تعالى : * ( ولمن خاف مقام ربه جنتان ) * ( الرحمن : 46 ) وقال : * ( فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون ) * ( الأعراف : 99 ) وقال الكرماني : ما خافه ، أي : ما خاف من الله تعالى ، فحذف الجار ، وأوصل الفعل إليه . وكذا في : أمنه ، إذ معناه : أمن منه ، وأمنه ، بفتح الهمزة وكسر الميم . قلت : إذا كان الفعل متعدياً بنفسه فلا يحتاج إلى تقدير حرف يوصل به الفعل إلاّ في موضع يحتاج فيه إلى تضمين معنى فعل بمعنى فعل آخر ، وههنا ليس كذلك ، وقال بعضهم ، عقب كلام الكرماني بعد نقله هذا الكلام : وإن كان صحيحاً ، لكنه خلاف مراد المصنف ومن نقل عنه ؟ قلت : وأثر الحسن هذا أخرجه الفريابي عن قتيبة ، ثنا جعفر بن سليمان عن المعلى بن زياد : ( سمعت الحسن يحلف في هذا المسجد بالله الذي لا إله إلا هو : ما مضى مؤمن قط ولا بقي إلاَّ وهو من النفاق مشفق ، ولا مضى منافق قط ولا بقي إلاَّ وهو من النفاق آمن ، وكان يقول : من لم يخف النفاق فهو منافق ) . قال : وحدثنا أبو قدامة عبيد الله بن سعيد ، حدثنا مؤمل بن إسماعيل عن حماد بن زيد عن أيوب عن الحسن : ( والله ما أصبح ولا أمسى مؤمن إلاَّ وهو يخاف النفاق على نفسه ) . وحدثنا عبد الأعلى بن حماد ، وحدثنا حماد بن سلمة عن حبيب بن الشهيد : ( أن الحسن كان يقول : إن القوم لما رأوا هذا النفاق يقول الإنسان : لم يكن لهم هم غير النفاق ) . وحدثنا هشام بن عمار ، حدثنا أسد بن موسى عن أبي الأشهب عن الحسن : ( لما ذكر أن النفاق يغول الايمان لم يكن شيء أخوف عندهم منه ) . وحدثنا هشام ، حدثنا أسد بن موسى ، حدثنا محمد بن سليمان قال : ( سأل أبان عن الحسن . فقال : نخاف النفاق . قال : وما يؤمنني ، وقد خافه عمر بن الخطاب ، رضي الله عنه ) . وحدثنا شيبان قال : حدثنا ابن الأشهب عن طريف قال : ( قلت للحسن ، رضي الله عنه : إن ناساً يزعمون أن لا نفاق ، أو لا يخافون ، شك أبو الأشهب . فقال : والله لأن أكون أعلم اني بريء من النفاق أحب إلي من طلاع الأرض ذهباً ) . وقال أحمد بن حنبل في كتاب الايمان : حدثنا روح بن عبادة ، حدثنا هشام ، سمعت الحسن يقول : ( والله ما مضى مؤمن ولا بقي إلاّ وهو يخاف النفاق ، وما أمنه إلاّ منافق ) . فإن قلت : هذه الآثار الثلاثة صحيحة عند البخاري فَلِم ذكر الأولين بلفظ : قال ، التي هي صيغة الجزم بالصحة ، وذكر الثالث بلفظ : يذكر ، على صيغة المجهول التي هي صيغة التمريض ؟ قلت : لما نقل الأثرين الأولين بمثل ما نقل عن إبراهيم التيمي وابن أبي مليكة ، من غير تغيير ، ذكرهما بصيغة الجزم بالصحة ، ونقل أثر الحسن بالمعنى على وجه الاختصار ، فلذلك ذكره بصيغة التمريض ، وصيغة التمريض لا تختص عنده بضعف الإسناد وحده ، بل إذا وقع التغيير من حيث النقل بالمعنى ، أو من حيث الاختصار ، يذكره بصيغة التمريض ، وهذا هو التحقيق في مثل هذا الموضع ، وليس مثل ما ذكره الكرماني بقوله : قلت : ليشعر بأن قولهما ثابت عنده صحيح الإسناد ، لان : قال ، هو صيغة الجزم ، وصريح الحكم بأنه صدر منه ، ومثله يسمى تعليقا بصيغة التصحيح ، بخلاف : يذكر ، فإنه لا جزم فيه ، فيعلم أن فيه ضعفاً ، ومثله تعليق بصيغة التمريض . وما يُحْذَرُ مِن الإصْرَار على النِّفَاقِ والعِصْيان مِنِ غَيْرِ تَوْبَةٍ لِقَولِ اللّهِ تعالى * ( ولَمْ يُصِرُّوا على ما فَعَلُوا