العيني

277

عمدة القاري

وهُمْ يَعْلَمُونَ ) * . هذا عطف على قوله : خوف المؤمن ، والتقدير : باب خوف المؤمن من أن يحبط عمله ، وخوف التحذير من الاصرار على النفاق . وكلمة : ما ، مصدرية ، و : يحذر ، على صيغة المجهول بتخفيف الذال وتشديدها ، والجملة محلها من الإعراب الجر لأنها عطف على المجرور كما قلنا ، وآثار إبراهم التيمي وابن أبي مليكة والحسن البصري معترضة بين المعطوف والمعطوف عليه . فان قلت : فَلِمَ أوقعها معترضة ؟ قلت : لأنه عقد الباب على ترجمتين : الأولى : الخوف من حبط العمل ، والثانية : الحذر من الإصرار على النفاق . وذكر فيه : ثلاثة من الآثار ، وآية من القران ، وحديثين مرفوعين . ولما كانت الآثار الثلاثة متعلقة بالترجمة الأولى ذكرها عقيبها ، والآية وأحد الحديثين ، وهو حديث عبد الله ، متعلقان بالترجمة الثانية ذكرهما عقيبها ، وأما الحديث الآخر ، وهو حديث عبادة ، فإنه يتعلق بالترجمة الأولى أيضا على ما نذكره ، وهذا فيه صيغة اللف والنشر غير مرتب ، والترجمة الثانية في الرد على المرجئة لأنهم قالوا : لا حذر من المعاصي مع حصول الإيمان ، وذكر البخاري الآية رداً عليهم لأنها في مدح من استغفر من ذنبه ، ولم يصر عليه ، فمفهومه ذم من لم يفعل ذلك ، وكأنه لمح في ذلك حديث عبد الله بن عمرو مرفوعاً ، أخرجه أحمد في ( مسنده ) بإسناد حسن ، قال : ( ويل للمصرين الذين يصرون على ما فعلوا وهم يعلمون ) أي : يعلمون أن من تاب تاب الله عليه ، ثم لا يستغفرون ، قاله مجاهد وغيره . وحديث أبي بكر الصديق ، رضي الله عنه ، مرفوعاً أخرجه الترمذي باسناد حسن : ( ما أصر من استغفر وإن عاد في اليوم سبعين مرة ) . والآية المذكورة في سورة آل عمران ، وهي : * ( والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب الا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون ) * ( آل عمران : 135 ) يفهم من الآية أنهم : إذا لم يستغفروا ، أي : لم يتوبوا ، وأصروا على ذنوبهم يكونون محل الحذر والخوف . وقال الواحدي : قال ابن عباس ، رضي الله عنهما في رواية عطاء : نزلت هذه الآية في نبهان التمار ، أتته امرأة حسناء تبتاع منه تمراً ، فضمها إلى نفسه وقبلها ، ثم ندم على ذلك . فأتى النبي ، صلى الله تعالى عليه وسلم ، وذكر له ذلك ، فنزلت هذه الآية . وفي رواية الكلبي : ( أن رجلين أنصارياً وثقيفياً آخى رسول الله ، صلى الله تعالى عليه وسلم ، بينهما ، فكانا لا يفترقان ، قال : فخرج رسول الله ، صلى الله تعالى عليه وسلم ، في بعض مغازيه ، وخرج معه الثقفي وخلف الأنصاري في أهله وحاجته ، وكان يتعاهد أهل الثقفي ، فأقبل ذات يوم فأبصر أمراته ضاحية قد اغتسلت ، وهي ناشرة شعرها ، فوقعت في نفسه ، فدخل عليها ولم يستأذن حتى انتهى إليها ، فذهب ليلثمها ، فوضعت كفها على وجهها ، فقبل ظاهر كفها ، ثم ندم واستحى ، وأدبر راجعاً ، فقالت : سبحان الله ! خنت أمانتك وعصيت ربك ولم تصب حاجتك . قال : فندم على صنعه ، فخرج يسيح في الجبال ويتوب إلى الله تعالى من ذنبه ، حتى وافى الثقفي ، فأخبرته امرأته بفعله ، فخرج يطلبه حتى دل عليه ، فوافقه ساجداً لله ، عز وجل ، وهو يقول : رب ذنبي ذنبي ، قد خنت أخي . فقال له : يا فلان ! قم فانطلق إلى رسول الله ، صلى الله عليه وسلم فاسأله عن ذنبك لعل الله تعالى أن يجعل لك فرجاً وتوبة ، فاقبل معه حتى رجع إلى المدينة ، وكان ذات يوم عند صلاة العصر نزل جبريل ، عليه السلام ، بتوبته ، فتلاها على رسول الله ، عليه الصلاة والسلام : * ( والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله ) * ( آل عمران : 135 ) إلى قوله : * ( ونعم أجر العاملين ) * ( آل عمران : 136 ) فقال علي ، رضي الله عنه : أخاص هذا لهذا الرجل أم للناس عامة في التوبة ، قال : الحمد لله رب العالمين . 48 حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ عَرْعَرَةَ قال حدّثناشُعْبَةُ عن زُبَيْدٍ قال سألت أبا وَائِلٍ عنِ المُرجِئَة فقال حدّثني عبدُ اللّهِ أن النَّبِىَّ صلى الله عليه وسلم قال سِبَابُ المُسْلِم فسُوُقٌ وَقِتالُهُ كُفْرٌ . قد قلنا آنفا : إن حديث عبد الله هذا للترجمة الثانية ، وهى قوله : وما يحذر عن الإصرار إلى آخره ، فان قلت : كيف مطابقته على الترجمة ؟ قلت : لما دل الحديث على إبطال قول المرجئة القائلين بعدم تفسيق مرتكبي الكبائر ، وعدم جعل السباب فسوقاً ، وعدم مقاتلة المسلم كفراناً لحقه ، طابق قوله : وما يحذر عن الإصرار إلى آخره . بيان رجاله : وهم خمسة . الأول : أبو عبد الله محمد بن عرعرة ، بالعينين المهملتين والراء المكررة ، غير منصرف للعلمية والتأنيث ، ابن البرند ، بكسر الباء الموحدة والراء المكسورة ، ويقال ، بفتحهما وسكون النون وفي آخره دال مهملة ، وكأنه