العيني

230

عمدة القاري

ندبته فانتدب أي دعوته فأجاب ، ومنه في حديث الخندق : فانتدب الزبير ، رضي الله عنه ، وذكره الصغاني أيضا في باب النون مع الدال وقال : وأما قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( انتدب الله ) الحديث ، فمعناه : أجابه إلى غفرانه . وقال القاضي عياض : رواه القابسي : ائتدب ، بهمزة صورتها ياء من : المأدبة ، يقال : أدب القوم مخففا ، إذا دعاهم ، ومنه : ( القرآن مأدبة الله في الأرض ) . قلت : قال الصغاني : الأدب الدعاء إلى الطعام ، يقال أدبهم يأدبهم بكسر الدال ، واسم الطعام عن أبي زيد : المأدبة والمأدبة ، يعني بفتح الدال وضمها ، ثم قال : وأما المأدبة ، بالفتح ، في حديث ابن مسعود ، رضي الله عنه : ( إن هذا القرآن مأدبة الله فتعلموا من مأدبته ) فليست من الطعام في شيء ، وإنما هي مفعلة من الأدب بالتحريك ، انتهى . وقال بعضهم : ووقع في رواية الأصيلي هنا : ايتدب ، بياء تحتانية مهموزة بدل النون من المأدبة وهو تصحيف ، وقد وجههوه بتكلف ، لكن إطلاق الرواة على خلافه . قلت : لم يقل أحد من الشراح ولامن رواة الكتاب إن هذا تصحيف ، ولا أطبقت الرواة على خلافه ، وقد رأيت ما قالت المشايخ فيه والدعوى بلا برهان لا تقبل . قوله : ( أن أرجعه ) بفتح الهمزة من رجع ، وقد جاء متعديا ولازما ، فمصدر الأول الرجع ، ومصدر الثاني الرجوع ، وههنا متعد نحو قوله تعالى * ( فإن رجعك الله إلى طائفة ) * ( التوبة : 83 ) وفي ( العباب ) : رجع بنفسه يرجع رجوعا ومرجعا ورجعي ، قال الله تعالى : * ( ثم إلى ربكم مرجعكم ) * ( الأنعام : 164 ، الزمر : 7 ) وهو شاذ لأن المصادر من : فعل يفعل ، إنما تكون بالفتح . وقال الله تعالى : * ( إن إلى ربك الرجعى ) * ( العلق : 8 ) ورجعته عن الشيء وإلى الشيء رجعا : رددته . قال الله تعالى : * ( إنه على رجعه لقادر ) * ( الطارق : 8 ) أي : على إعادته حيا بعد موته وبلاه ، لأنه المبدىء المعيد . وقال تعالى : * ( يرجع بعضهم إلى بعض القول ) * ( سبأ : 31 ) أي : يتلاومون . قوله : ( بما نال ) . أي : بما أصاب من النيل ، وهو العطاء . قوله : ( خلف سرية ) خلف ههنا بمعنى بعد ، والسرية : هي قطعة من الجيش ، يقال : خير السرايا أربع مائة رجل . بيان الإعراب : قوله : ( انتدب ) فعل ماض ، ولفظة : الله ، فاعله ، وقوله ( لمن خرج ) يتعلق بانتدب ، ومن ، موصولة . وخرج ، جملة صلتها ، وفي سبيله ، يتعلق به ، والضمير في سبيله ، يرجع إلى الله . قوله : ( لا يخرجه ) جملة من الفعل والمفعول وهو الضمير ، وموضعها نصب على الحال ، وقد علم أن المضارع إذا وقع حالاً وكان منفيا يجوز فيه الواو وتركها ، نحو : جاءني زيد لا يركب ، أو : ولا يركب . وقال الكرماني : لا بد من التأويل وهو تقدير اسم فاعل من القول منصوب على الحال ، كأنه قال : انتدب الله لمن خرج في سبيله قائلاً لا يخرجه إلا إيمان بي . قلت : هذا ليس بسديد لأنه على تقديره يلزم أن يكون ذو الحال هو الله تعالى ، ويكون قوله لا يخرجه ، مقول القول ، وليس كذلك بل ذو الحال هو الضمير الذي في خرج وأيضا فيه حذف الحال وهو لا يجوز . قوله : ( إيمان ) مرفوع لأنه فاعل : لا يخرجه ، والاستثناء مفرغ ، ووقع في رواية مسلم والإسماعيلي : إلاَّ إيمانا ، بالنصب . وقال النووي : منصوب على أنه مفعول له ، وتقديره : لا يخرجه مخرج إلا الإيمان والتصديق . قوله : ( وتصديق برسلي ) ، وقال الكرماني : أو تصديق ، وفي بعض النسخ : ( وتصديق ) بالواو الواصلة وهو ظاهر . قلت : لم أقف على من ذكر هذا رواية ، ثم قال : فإن قلت : إذا كان : بأو ، الفاصلة ، فما معناه إذ لا بد من الأمرين : الإيمان بالله والتصديق برسل الله ؟ قلت : أو ، ههنا لامتناع الخلو منهما مع إمكان الجمع بينهما ، أي : لا يخلو عن أحدهما ، وقد يجتمعان بل يلزم الاجتماع ، لأن الإيمان بالله مستلزم لتصديق رسله ، إذ من جملة الإيمان بالله الإيمان بأحكامه وأفعاله ، وكذا التصديق بالرسل يستلزم الإيمان بالله ، وهو ظاهر . قلت : هذا الذي ذكره ليس مما يدل عليه : أو ، لأن الاجتماع ههنا لازم و : أو ، لا يدل على لزوم الاجتماع . قوله : ( أن أرجعه ) يتعلق بقوله : ( انتدب ) ، وأن مصدرية ، وأصلها : بأن أرجعه ، أي : يرجعه ، والباء في : بما نال ، يتعلق به ، وما ، موصولة ، و : نال ، صلتها والعائد محذوف أي : بما ناله . قوله : ( من ) للبيان ، قوله : ( أو غنيمة ) أو : ههنا لامتناع الخلو منهما مع إمكان الجمع بينهما أعني : أن اللفظ لا ينفي اجتماعهما ، بل يثبت أحدهما مع جواز ثبوت الآخر ، فقد يجتمعان . وقال القاضي عياض : معناه أن أرجعه بما نال من أجر مجرد وإن لم يكن غنيمة ، أو أجر وغنيمة إذا كانت ، فاكتفى بذكر الأجر أولاً عن تكراره ، أو أن : أو ، ههنا بمعنى الواو ، كما جاء في مسلم من رواية يحيى بن يحيى ، وفي سنن أبي داود : من أجر وغنيمة بغير ألف . وقد قيل في قوله تعالى : * ( من بعد وصية يوصي بها أو دين ) * ( النساء : 11 و 12 ) معناه : ودين ، وقيل : من وصية ودين ، أو دين دون وصية . قوله : ( أو أدخله ) بالنصب عطفا على قوله : ( أن أرجعه ) . قوله : ( لولا ) هي الامتناعية لا التحضيضية ، وأن ، مصدرية في محل الرفع