العيني
231
عمدة القاري
على الابتداء ، والتقدير : لولا المشقة ، ويجوز أن يكون مرفوعا بفعل محذوف ، أي : لولا ثبت أن أشق ، وقوله : أشق منصوب به . قوله : ( ما قعدت ) جواب لولا ، وأصله : لما قعدت ، فحذفت اللام منه . وقوله : ( خلف ) نصب على الظرفية ، وسبب المشقة صعوبة تخلفهم بعده ، ولا يقدرون على المسير معه لضيق حالهم ، ولا قدرة له على حملهم ، كما جاء مبينا في حديث آخر ، حيث قال : ( فإنه يشق عليهم التخلف بعده ، ولا تطيب أنفسهم بذلك ) . قوله : ( ولوددت ) اللام للتأكيد ، وهو عطف على قوله : ما قعدت ، ويجوز أن تكون اللام فيه جواب قسم محذوف أي : والله لوددت أي : أحببت . قوله : ( أن أقتل ) في محل النصب على المفعولية ، وأن ، مصدرية ، أي : القتل ، والهمزة في المواضع الخمسة مضمومة . قوله : ( ثم أحيى ) أي : ثم أن أحيى ، وكذلك التقدير في البواقي . * ( بيان المعاني : قوله : ( إلاَّ إيمان بي وتصديق برسلي ) : يريد خلوص نيته لذلك ، وفيه التفات ، وهو العدول من الغيبة ، إلى ضمير المتكلم ، والسياق كان يقتضي أن يقول : إلا إيمان به . قوله : ( أن أرجعه ) فيه حذف أي : إلى مسكنه . قوله : ( بما نال ) فيه استعمال الماضي موضع المضارع لتحقق وعد الله تعالى . قوله : ( ثم أحيى ) كلمة ثم ، وإن كانت تدل على التراخي في الزمان ، ولكنها ههنا حملت على التراخي في الرتبة ، لأن المتمنى حصول مرتبة بعد مرتبة إلى أن ينتهي إلى الفردوس الأعلى . استنباط الأحكام : فيه : فضل الجهاد والشهادة في سبيل الله . وفيه : تمني الشهادة وتعظيم أجرها . وفيه : تمني الخير والنية فوق ما لا يطيق الإنسان وما لا يمكنه إذا قدر له ، وهو أحد التأويلين في قوله صلى الله عليه وسلم : ( نية المؤمن أبلغ من عمله ) وفيه : بيان شدة شفقة رسول الله صلى الله عليه وسلم على أمته ورأفته بهم . وفيه : استحباب طلب القتل في سبيل الله . وفيه : جواز قول الإنسان : وددت حصول كذا من الخير الذي يعلم أنه لا يحصل . وفيه : إذا تعارض مصلحتان بدىء بأهمهما ، وأنه يترك بعض المصالح لمصلحة أرجح منها ، أو لخوف مفسدة تزيد عليها . وفيه : إن الجهاد فرض كفاية لا فرض عين . وفيه : السعي في زوال المكروه والمشقة عن المسلمين . وفيه : إن من خرج في قتال البغاة وفي إقامة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونحو ذلك يدخل في قوله : ( في سبيل الله ) وإن كان ظاهره في قتال الكفار . الأسئلة والأجوبة : منها ما قيل : جميع المؤمنين يدخلهم الله تعالى الجنة ، فما وجه اختصاصهم بذلك ؟ وأجيب : بأنه يحتمل أن يدخله بعد موته ، كما قال الله تعالى : * ( أحياء عند ربهم يرزقون ) * ( آل عمران : 169 ) ويحتمل أن يكون المراد : الدخول عند دخول السابقين والمقربين بلا حساب ولا عذاب ، ولا مؤاخذة بذنوب ، وتكون الشهادة مكفرة لها كما روي من قوله ، عليه الصلاة والسلام : ( القتل في سبيل الله يكفر كل شيء إلا الدين ) . رواه مسلم . ومنها ما قيل : إن المجاهد له حالتان : الشهادة والسلامة ، فالجنة للحالة الأولى ، والأجر والغنيمة للثانية ولفظه : أو في قوله : أو غنيمة ، تدل على أن للسالم ، إما الأجر ، وإما الغنيمة لا كلاهما ؟ وأجيب : بأن معنى : أو ، لامتناع الخلو عنهما مع إمكان الجمع بينهما . ومنها ما قيل : ههنا حالة ثالثة للسالم وهو : الأجر بدون الغنيمة . وأجيب : بأن هذه الحالة داخلة تحت الحالة الثانية إذ هي أعم من الأجر فقط ، أو منه مع الغنيمة . ومنها ما قيل : الأجر ثابت للشهيد الداخل في الجنة ، فكيف يكون السالم والشهيد مقترنين في أن لأحدهما الأجر وللآخر الجنة ، مع أن الجنة أيضا أجر ؟ وأجيب : بأن هذا أجر خاص ، والجنة أجر أعلى منه ، فهما متغايران . أو أن القسمين هما الرجع والإدخال ، لا الأجر والجنة . ومعنى الحديث : إن الله تعالى ضمن أن الخارج للجهاد ينال خيرا بكل حال ، فإما أن يستشهد فيدخل الجنة ، وإما أن يرجع بأجر فقط ، وإما بأجر وغنيمة . ومنها ما قيل : بماذا هذا الضمان ؟ وأجيب : بما سبق في علمه ، وما ذكره في كتابه بقوله : * ( إن الله اشترى ) * ( التوبة : 111 ) الآية : ومنها ما قيل : لا مشقة على الأمة في ودادة الرسول صلى الله عليه وسلم ، لأن غاية ما في الباب وجود المتابعة في الودادة ، وليس فيها مشقة . وأجيب : بأنا لا نسلم عدم المشقة ، ولئن سلمنا فربما ينجر إلى تشييع مودوده ، فيصير سببا للمشقة . ومنها ما قيل : إن الفرار إنما هو على حالة الحياة . فلم جعل النهاية هي القتل ؟ وأجيب : بأن المراد هو الشهادة ، فختم الحال عليها ، أو أن الإحياء للجزاء وهو معلوم شرعا ، فلا حاجة إلى ودادته ، لأنه ضروري الوقوع . فافهم . ومنها ما قيل : إن القواعد تقتضي أن لا يتمنى المعصية أصلاً ، لا لنفسه ولا لغيره ، فكيف تمناه ؟ لأن حاصله أنه تمنى أن يمكن فيه كافر فيعصى فيه ؟ وأجيب : بأن المعصية ليست مقصودة بالتمني ، إنما المتمنى الحالة الرفيعة وهي الشهادة ، وتلك تحصل تبعا . ومنها ما قيل : إن قوله صلى الله عليه وسلم : ( بما نال من أجر أو غنيمة ) يعارضه قوله عليه السلام في الصحيح : ( ما من غازية أو سرية تغزو فتغنم وتسلم ، إلاَّ كانوا