العيني
181
عمدة القاري
أمره به ، وفائدة العدول عن التصريح دعوى اليقين والتعويل على شهادة العقل . وقال بعضهم : وقياسه في الصحابي إذا قال : أُمرت ، فالمعنى : أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم من حيث إنهم مجتهدون ، والحاصل أن من اشتهر بطاعة رئيس إذا قال ذلك فهم منهم أن الآمر له ذلك الرئيس . قلت : خذ كلام الكرماني ، وقلّب معناه لأن الكرماني جعل قوله : فإن من اشتهر بطاعة رئيس إلى آخره علة لقوله : فهم منه أن الرسول ، عليه السلام ، هو الآمر له ، وهذا القائل أوقع هذه العلة حاملاً وداعيا ، وهو عكس المقصود ، وقوله أيضا : من حيث إنهم مجتهدون ، لا دخل له في الكلام ، لأن الحيثية تقع قيدا ، وهذا القيد غير محتاج إليه ههنا ، لأنا قلنا : إن الصحابي إذا قال : أمرت معناه : أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم ، من حيث إنه هو الآمر بينهم وهو المشرع ، وليس المعنى أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم من حيث إني مجتهد ، وهذا كلام في غاية السقوط . قوله : ( أقاتل الناس ) : إنما ذكر باب المفاعلة التي وضعت لمشاركة الاثنين ، لأن الدين إنما ظهر بالجهاد ، والجهاد لا يكون إلاَّ بين اثنين ، والألف واللام في : الناس ، للجنس يدخل فيه أهل الكتاب الملتزمين لأداء الجزية . قلت : هؤلاء قد خرجوا بدليل آخر مثل * ( حتى يعطوا الجزية ) * ( التوبة : 29 ) ونحوه ، ويدل عليه رواية النسائي بلفظ : ( أمرت أن أقاتل المشركين ) . قال الكرماني : والناس قالوا : أريد به عبدة الأوثان دون أهل الكتاب ، لأن القتال يسقط عنهم بقبول الجزية . قلت : فعلى هذا تكون اللام للعهد ، ولا عهد إلاَّ في الخارج ، والتحقيق ما قلنا ، ولهذا قال الطيبي : هو من العام الذي خص منه البعض ، لأن القصد الأولي من هذا الأمر حصول هذا المطلوب ، لقوله تعالى : * ( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ) * ( الذاريات : 56 ) فإذا تخلف منه أحد في بعض الصور لعارض لا يقدح في عمومه ، ألا ترى أن عبدة الأوثان إذا وقعت المهادنة معهم تسقط المقاتلة وتثبت العصمة ؟ . قال : ويجوز أن يعبر بمجموع الشهادتين وفعل الصلاة والزكاة عن إعلاء كلمة الله تعالى ، وإذعان المخالفين ، فيحصل في بعضهم بذلك ، وفي بعضهم بالجزية ، وفي الآخرين بالمهادنة . قال : وأيضا الاحتمال قائم في أن ضرب الجزية كان بعد هذا القول . قلت : بل الظاهر أن الحديث المذكور متقدم على مشروعية أخذ الجزية وسقوط القتال بها ، فحينئذ تكون اللام للجنس كما ذكرنا ، وأيضا : المراد من وضع الجزية أن يضطروا إلى الإسلام ، وسبب السبب سبب ، فيكون التقدير : حتى يسلموا ، أو يعطوا الجزية ، ولكنه اكتفى بما هو المقصود الأصلي من خلق الخلائق ، وهو قوله عز وجل : * ( وما خلقت الجن والإنس إلاَّ ليعبدون ) * ( الذاريات : 56 ) أو نقول : إن المقصود هو القتال ، أو ما يقوم مقامه ، وهو : أخذ الجزية ، أو المقصود هو الإسلام منهم ، أو ما يقوم مقامه في دفع القتال وهو إعطاء الجزية ، وكل هذه التأويلات لأجل ما ثبت بالإجماع سقوط القتال بالجزية فافهم . قوله : ( فإذا فعلوا ذلك ) قد قلنا إن ذلك مفعول فعلوا ، فإن قلت : المشار إليه بعضه قول ، فكيف إطلاق الفعل عليه ؟ قلت : إما باعتبار أنه عمل اللسان وإما على سبيل التغليب للاثنين على الواحد . قوله : ( وحسابهم على الله ) على سبيل التشبيه ، أي هو كالواجب على الله في تحقق الوقوع ، وذلك أن لفظة : على مشعرة بالإيجاب في عرف الاستعمال ، ولا يجب على الله شيء ، وكأن الأصل فيه أن يقال : وحسابهم الله أو إلى الله ، وأما عند المعتزلة ، فهو ظاهر لأنهم يقولون بوجوب الحساب عقلاً ، والمعنى : أن أمور سرائرهم إلى الله تعالى ، وأما نحن فنحكم بالظاهر ، فنعاملهم بمقتضى ظاهر أقوالهم وأفعالهم ، أو معناه : هذا القتال وهذه العصمة إنما هو من الأحكام الدنيوية ، وهو مما يتعلق بنا ، وأما الأمور الأخروية من دخول الجنة والنار والثواب والعقاب وكميتهما وكيفيتهما فهو مفوض إلى الله تعالى لا دخل لنا فيها . ( بيان استنباط الأحكام ) وهو على وجوه . الأول : قال النووي : يستدل بالحديث على أن تارك الصلاة عمدا معتقدا وجوبها يقتل ، وعليه الجمهور . قلت : لا يصح هذا الاستدلال لأن المأمور به هو القتال ، ولا يلزم من إباحة القتال إباحة القتل ، لأن باب المفاعلة يستلزم وقوع الفعل من الجانبين ، ولا كذلك القتل فافهم . ثم اختلف أصحاب الشافعي : هل يقتل على الفور أم يمهل ثلاثة أيام ؟ الأصح الأول ، والصحيح أنه يقتل بترك صلاة واحدة إذا خرج وقت الضرورة لها ، وأنه يقتل بالسيف ، وهو مقتول حدا . وقال أحمد في رواية أكثر أصحابه عنه : تارك الصلاة عمدا يكفر ويخرج من الملة ، وبه قال بعض أصحاب الشافعي ، فعلى هذا له حكم المرتد ، فلا يغسل ولا يصلى عليه ، وتبين منه امرأته . وقال أبو حنيفة ، والمزني : يحبس إلى أن يحدث توبة ولا يقتل ، ويلزمهم أنهم احتجوا به على قتل تارك الصلاة عمدا ، ولم يقولوا بقتل مانع الزكاة ، مع أن