العيني

182

عمدة القاري

الحديث يشملها ، ومذهبهم : أن مانع الزكاة تؤخذ منه قهرا ويعزر على تركها ، وسئل الكرماني ههنا عن حكم تارك الزكاة ثم أجاب : بأن حكمهما واحد ، ولهذا قاتل الصديق ، رضي الله عنه ، مانعي الزكاة ، فإن أراد أن حكمهما واحد في المقاتلة فمسلم ، وإن أراد في القتل فممنوع لأن الممتنع من الزكاة يمكن أن تؤخذ منه قهرا ، بخلاف الصلاة ، أما إذا انتصب صاحب الزكاة للقتال لمنع الزكاة فإنه يقاتل ، وبهذه الطريقة قاتل الصديق ، رضي الله عنه ، مانعي الزكاة ، ولم ينقل أنه قتل أحدا منهم صبرا ، ولو ترك صوم رمضان حبس ومنع الطعام والشراب نهارا ، لأن الظاهر أنه ينويه لأنه معتقد لوجوبه كما ذكر في كتب الشافعية . الثاني : قال النووي يستدل به على وجوب قتال مانعي الصلاة والزكاة وغيرهما من واجبات الإسلام قليلاً كان أو كثيرا . قلت : فعن هذا قال محمد بن الحسن إن أهل بلدة أو قرية إذا اجتمعوا على ترك الأذان ، فإن الإمام يقاتلهم ، وكذلك كل شيء من شعائر الإسلام . الثالث : فيه أن من أظهر الإسلام وفعل الأركان يجب الكف عنه ، ولا يتعرض له . الرابع : فيه قبول توبة الزنديق ، ويأتي ، إن شاء الله تعالى ، في المغازي . قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( إني لم أؤمر أن أشق على قلوب الناس ولا عن بطونهم ) الحديث بطوله جوابا القول خالد ، رضي الله عنه ألا أضرب عنقه ؟ فقال عليه السلام : لعله يصلي ، فقال خالد : وكم من مصل يقول بلسانه ما ليس بقلبه . ولأصحاب الشافعي ، رحمه الله ، في الزنديق الذي يظهر الإسلام ويبطن الكفر ويعلم ذلك بأن يطلع الشهود على كفر كان يخفيه ، أو علم بإقراره خمسة أوجه : أحدها : قبول توبته مطلقا ، وهو الصحيح المنصوص عن الشافعي ، والدليل عليه قوله صلى الله عليه وسلم : ( أفلا شققت عن قلبه ) ؟ والثاني : به قال مالك : لا تقبل توبته ورجوعه إلى الإسلام ، لكنه إن كان صادقا في توبته نفعه ذلك عند الله تعالى ، وعن أبي حنيفة روايتان كالوجهين . والثالث : إن كان من الدعاة إلى الضلال لم تقبل توبتهم وتقبل توبة عوامهم ، والرابع : إن أخذ ليقتل فتاب لم تقبل ، وإن جاء تائبا ابتداء وظهرت مخائل الصدق عليه قبلت ، وحكي هذا القول عن مالك ، وممن حكاه عبد الواحد السفاقسي قال : قال مالك : لا تقبل توبة الزنديق إلاَّ إذا كان لم يطلع عليه وجاء تائبا فإنه تقبل توبته . والخامس : إن تاب مرة قبلت منه ، وإن تكررت منه التوبة لم تقبل . وقال صاحب ( التقريب ) من أصحابنا : روى بشر بن الوليد ، عن أبي يوسف ، عن أبي حنيفة في الزنديق الذي يظهر الإسلام قال إستتيبه كالمرتد ، وقال أبو يوسف مثل ذلك زمانا ، فلما رأى ما يصنع الزنادقة من إظهار الإسلام ثم يعودون ، قال : إن أتيت بزنديق أمرت بقتله ولم استتبه ، فإن تاب قبل أن أقتله خليته . وروى سليمان بن شعيب ، عن أبيه ، عن أبي يوسف ، عن أبي حنيفة ، رحمه الله في نوادر له قال : قال أبو حنيفة : اقتلوا الزنديق المستتر ، فإن توبته لا تعرف . الخامس : قالوا : فيه دليل على أن الإعتقاد الجازم كاف في النجاة ، خلافا لمن أوجب تعلم الأدلة وجعله شرطا في الإسلام ، وهو كثير من المعتزلة وقول بعض المتكلمين ، وقال النووي : قد تظاهرت الأحاديث الصحيحة التي يحصل من عمومها العلم القطعي بأن التصديق الجازم كاف . قال الإمام : المقترح اختلف الناس في وجوب المعرفة على الأعيان ، فذهب قوم إلى أنها لا تجب ، وقوم إلى وجوبها ، وادعى كل واحد من الفريقين الإجماع على نقيض ما ادعى مخالفه ، واستدل النافون بأنه قد ثبت من الأولين قبول كلمتي الشهادة من كل ناطق بها ، وإن كان من البله والمغفلين ، ولم يقل له : هل نظرت أو أبصرت ؛ واستدل المثبتون من الأولين الأمر بها مثل ابن مسعود وعلي ومعاذ رضي الله عنهم ، وأجابوا عن الأول : بأن كلمتي الشهادة مظنة العلم ، والحكم في الظاهر يدار على المظنة ، وقد كان الكفرة يذبون عن دينهم ، وما رجعوا إلاَّ بعد ظهور الحق وقيام علم الصدق ، والمقصود إخلاص العبد فيما بينه وبين الله تعالى ، فلا بد أن يكون على بصيرة من أمره ، ولقد كانوا يفهمون الكتاب العربي فهما وافيا بالمعاني ، والكتاب العزيز مشتمل على الحجج والبراهين . قلت : وهذا الثاني هو مختار إمام الحرمين ، والإمام المقترح ، والأول مختار الأكثرين والله أعلم . السادس : فيه اشتراط التلفظ بكلمتي الشهادة في الحكم بالإسلام ، وأنه لا يكف عن قتالهم إلاَّ بالنطق بهما . السابع : فيه عدم تكفير أهل الشهادة من أهل البدع . الثامن : فيه دليل على قبول الأعمال الظاهرة والحكم بما يقتضيه الظاهر . التاسع : فيه دليل على أن حكم النبي صلى الله عليه وسلم والأئمة بعده إنما كان على الظاهر ، والحساب على السرائر إلى الله تعالى دون خلقه ، وإنما جعل إليهم ظاهر أمره دون خفيه . العاشر : أن هذا الحديث مبين ومقيد لما جاء من الأحاديث المطلقة ، منها ما جاء في حديث عمر ، رضي الله عنه ، ومناظرته مع أبي