عبد الرحمن بن ناصر السعدي

752

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان

ذهبت عقائدهم وأعمالهم ، التي أفنوا فيها أعمارهم على عبادة غير الله ، وظنوا أنها تفيدهم ، وتدفع عنهم العذاب ، وتشفع لهم عند الله . فخاب سعيهم ، وانتقض ظنهم ، ولم تغن عنهم شركاؤهم شيئا * ( وظنوا ) * أي : أيقنوا في تلك الحال * ( ما لهم من محيص ) * أي : منقذ ينقذهم ، ولا مغيث ، ولا ملجأ . فهذه عاقبة من أشرك بالله غيره ، بينها الله لعباده ، ليحذروا الشرك به . * ( لا يسأم الإنسان من دعاء الخير وإن مسه الشر فيئوس قنوط * ولئن أذقناه رحمة منا من بعد ضرآء مسته ليقولن ه ذا لي ومآ أظن الساعة قائمة ولئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى فلننبئن الذين كفروا بما عملوا ولنذيقنهم من عذاب غليظ * وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه وإذا مسه الشر فذو دعاء عريض ) * هذا إخبار عن طبيعة الإنسان من حيث هو ، وعدم صبره وجلده ، لا على الخير ، ولا على الشر ، إلا من نقله الله من هذه الحال ، إلى حال الكمال ، فقال : * ( لا يسأم الإنسان من دعاء الخير ) * أي : لا يمل دائما ، من دعاء الله ، بالفوز ، والمال ، والولد ، وغير ذلك ، من مطالب الدنيا . ولا يزال يعمل على ذلك ، ولا يقتنع بقليل ولا بكثير منها . فلو حصل له من الدنيا ما حصل ، لم يزل طالبا للزيادة . * ( وإن مسه الشر ) * أي : المكروه ، كالمرض ، والفقر ، وأنواع البلايا * ( فيئوس قنوط ) * أي : ييأس من رحمة الله تعالى ، ويظن أن هذا البلاء ، هو القاضي عليه بالهلاك ، ويتشوش من إتيان الأسباب ، على غير ما يحب ويطلب . إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ، فإنهم إذا أصابهم الخير والنعمة والمحاب ، شكروا الله تعالى ، وخافوا أن تكون نعم الله عليهم ، استدراجا وإمهالا . وإن أصابتهم مصيبة ، في أنفسهم ، وأموالهم ، وأولادهم ، صبروا ، ورجوا فضل ربهم ، فلم ييأسوا . ثم قال تعالى : * ( ولئن أذقناه ) * أي : الإنسان الذي يسأم من دعاء الخير ، وإن مسه الشر فيؤوس * ( رحمة منا ) * أي : بعد ذلك الشر الذي أصابه ، بأن عافاه الله من مرضه ، أو أغناه من فقره ، فإنه لا يشكر الله تعالى ، بل يبغي ، ويطغى ، ويقول : * ( هذا لي ) * أي : أتاني ، لأني له أهل ، وأنا مستحق له * ( وما أظن الساعة قائمة ) * ، وهذا إنكار منه للبعث ، وكفر للنعمة والرحمة ، التي أذاقها الله له . * ( ولئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى ) * أي : على تقدير إتيان الساعة ، وأني سأرجع إلى ربي ، إن لي عنده للحسنى . فكما حصلت لي النعمة في الدنيا ، فإنها ستحصل لي في الآخرة . وهذا من أعظم الجرأة والقول على الله بلا علم ، فلهذا توعده بقوله : * ( فلننبئن الذين كفروا بما عملوا ولنذيقنهم من عذاب غليظ ) * أي : شديد جدا . * ( وإذا أنعمنا على الإنسان ) * بصحة ، أو رزق ، أو غيرهما * ( أعرض ) * عن ربه وعن شكره * ( ونأى ) * ترفع * ( بجانبه ) * عجبا وتكبرا . * ( وإذا مسه الشر ) * أي : المرض ، أو الفقر ، أو غيرهما * ( فذو دعاء عريض ) * أي : كثير جدا ، لعدم صبره . فلا صبر في الضراء ، ولا شكر في الرخاء ، إلا من هداه الله ومن عليه . * ( قل أرأيتم إن كان من عند الله ثم كفرتم به من أضل ممن هو في شقاق بعيد * سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد * ألا إنهم في مرية من لقآء ربهم ألا إنه بكل شيء محيط ) * أي * ( قل ) * لهؤلاء المكذبين بالقرآن المسارعين إلى الكفران : * ( أرأيتم إن كان ) * هذا القرآن * ( من عند الله ) * من غير شك ولا ارتياب . * ( ثم كفرتم به من أضل ممن هو في شقاق بعيد ) * أي : معاندة لله ولرسوله ، لأنه تبين لكم الحق والصواب ، ثم عدلتم عنه ، لا إلى حق ، بل إلى باطل وجهل . فإذا تكونون أضل الناس وأظلمهم . فإن قلتم ، أو شككتم بصحته وحقيقته ، فسيقيم الله لكم ، ويريكم من آياته ، حيث قال تعالى : * ( سنريهم آياتنا في الآفاق ) * كالآيات التي في السماء وفي الأرض ، وما يحدثه الله تعالى من الحوادث العظيمة ، الدالة للمستبصر على الحق . * ( وفي أنفسهم ) * مما اشتملت عليه أبدانهم ، من بديع آيات الله ، وعجائب صنعته ، وباهر قدرته ، وفي حلول العقوبات والمثلات في المكذبين ، ونصر المؤمنين . * ( حتى يتبين لهم ) * من تلك الآيات ، بيانا لا يقبل الشك * ( أنه الحق ) * وما اشتمل عليه حق . وقد فعل تعالى ، فإنه أرى عباده من الآيات ، ما به تبين أنه الحق ، ولكن الله هو الموفق للإيمان من يشاء ، والخاذل لمن يشاء . * ( أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد ) * أي : أولم يكفهم على أن القرآن حق ، ومن جاء به صادق ، بشهادة الله تعالى ، فإنه قد شهد له بالتصديق ، هو أصدق الشاهدين ، وأيده ، ونصره نصرا متضمنا شهادته القولية ، عند من شك فيها . * ( ألا إنهم في مرية من لقاء ربهم ) * أي : في شك من البعث والقيامة ، وليس عندهم دار ، سوى الدار الدنيا ، فلذلك لم يعملوا للآخرة ، ولم يلتفتوا لها . * ( ألا إنه بكل شيء محيط ) * علما وقدرة وعزة . سورة الشورى * ( ح م * عسق * كذلك يوحي إليك وإلى الذين من قبلك الله العزيز الحكيم * له ما في السماوات وما في الأرض وهو العلي العظيم * تكاد السماوات يتفطرن من فوقهن والملائكة يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون لمن في الأرض ألا إن الله هو الغفور الرحيم * والذين اتخذوا من دونه أولياء الله حفيظ عليهم ومآ أنت عليهم