عبد الرحمن بن ناصر السعدي
753
تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان
بوكيل * وكذلك أوحينآ إليك قرآنا عربيا لتنذر أم القرى ومن حولها وتنذر يوم الجمع لا ريب فيه فريق في الجنة وفريق في السعير * ولو شاء الله لجعلهم أمة واحدة ول كن يدخل من يشاء في رحمته والظالمون ما لهم من ولي ولا نصير * أم اتخذوا من دونه أولياء فالله هو الولي وهو يحي ي الموتى وهو على كل شيء قدير ) * يخبر تعالى ، أنه أوحى هذا القرآن العظيم إلى النبي الكريم ، كما أوحى إلى من قبله من الأنبياء والمرسلين . ففيه بيان فضله ، بإنزال الكتب ، وإرسال الرسل ، سابقا ولاحقا ، وأن محمدا صلى الله عليه وسلم ليس ببدع من الرسل . وأن طريقته طريقة من قبله ، وأحواله تناسب أحوال من قبله من المرسلين . وما جاء به يشابه ما جاءوا به ، لأن الجميع حق وصدق ، وهو تنزيل من اتصف بالألوهية ، والعزة العظيمة ، والحكمة البالغة . وأن جميع العالم العلوي والسفلي ملكه وتحت تدبيره القدري والشرعي . وأنه * ( العلي ) * بذاته ، وقدره ، وقهره . * ( العظيم ) * الذي من عظمته * ( تكاد السماوات يتفطرن من فوقهن ) * على عظمها وكونها جمادا . * ( والملائكة ) * الكرام المقربون ، خاضعون لعظمته ، مستكينون لعزته ، مذعنون بربوبيته . * ( يسبحون بحمد ربهم ) * ويعظمونه وينزهونه عن كل نقص ، ويصفونه بكل كمال . * ( ويستغفرون لمن في الأرض ) * عما يصدر منهم ، مما لا يليق بعظمة ربهم وكبريائه . مع أنه تعالى * ( هو الغفور الرحيم ) * الذي لولا مغفرته ورحمته ، لعاجل الخلق بالعقوبة المستأصلة . وفي وصفه تعالى بهذه الأوصاف ، بعد أن ذكر أنه أوحى إلى الرسل عموما ، وإلى محمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين خصوصا ، إشارة إلى أن هذا القرآن الكريم ، فيه الأدلة والبراهين ، والآيات الدالة على كمال الباري تعالى ، ووصفه بهذه الأسماء العظيمة الموجبة لامتلاء القلوب ، من معرفته ، ومحبته ، وتعظيمه ، وإجلاله ، وإكرامه ، وصرف جميع أنواع العبودية ، الظاهرة ، والباطنة ، له تعالى . وأن من أكبر الظلم ، وأفحش القول ، اتخاذ أنداد لله من دونه ، ليس بيدهم نفع ولا ضر . بل هم مخلوقون مفتقرون إلى الله في جميع أحوالهم ، ولهذا عقبه بقوله : * ( والذين اتخذوا من دونه أولياء ) * يتولونهم بالعبادة والطاعة ، كما يعبدون الله ويطيعونه ، فإنما اتخذوا الباطل ، وليسوا بأولياء على الحقيقة . * ( الله حفيظ عليهم ) * يحفظ عليهم أعمالهم ، فيجازيهم بخيرها وشرها . و * ( وما أنت عليهم بوكيل ) * فتسأل عن أعمالهم ، وإنما أنت مبلغ أديت وظيفتك . ثم ذكر منته على رسوله ، وعلى الناس ، حيث أنزل الله * ( قرآنا عربيا ) * بين الألفاظ والمعاني * ( لتنذر أم القرى ) * وهي مكة المكرمة * ( ومن حولها ) * من قرى العرب ثم يسري هذا الإنذار ، إلى سائر الخلق . * ( وتنذر ) * الناسر * ( يوم الجمع ) * الذي يجمع الله به الأولين والآخرين ، وتخبرهم أنه * ( لا ريب فيه ) * وأن الخلق ينقسمون فيه فريقين * ( فريق في الجنة ) * وهم الذين آمنوا بالله ، وصدقوا المرسلين ، * ( وفريق في السعير ) * وهم أصناف الكفرة المكذبين . * ( و ) * مع هذا * ( لو شاء الله لجعلهم ) * أي : جعل الناس كلهم * ( أمة واحدة ) * على الهدى ، لأنه القادر ، الذي لا يمتنع عليه شيء ، ولكن أراد أن يدخل في رحمته من شاء ، من خواص خلقه . وأما الظالمون الذين لا يصلحون لصالح ، فإنهم محرومون من الرحمة ، ف * ( ما لهم ) * ( من دون الله ) * ( من ولي ) * يتولاهم ، فيحصل لهم المحبوب * ( ولا نصير ) * يدفع عنهم المكروه . والذين * ( اتخذوا من دونه أولياء ) * يتولونهم بعبادتهم إياهم ، فقد غلطوا أقبح غلط . فالله ، هو الولي الذي يتولاه عبده بعبادته وطاعته ، والتقرب إليه بما أمكن من أنواع التقربات ، ويتولى عباده عموما بتدبيره ، ونفوذ القدر فيهم . ويتولى عباده المؤمنين خصوصا ، بإخراجهم من الظلمات إلى النور ، وتربيتهم بلطفه ، وإعانتهم في جميع أمورهم . * ( وهو يحيي الموتى وهو على كل شيء قدير ) * أي : هو المتصرف بالإحياء والإماتة ، ونفوذ المشيئة والقدرة ، فهو الذي يستحق أن يعبد وحده ، لا شريك له . * ( وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله ذلكم الله ربي عليه توكلت وإليه أنيب * فاطر السماوات والأرض جعل لكم من أنفسكم أزواجا ومن الأنعام أزواجا يذرؤكم فيه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير * له مقاليد السماوات والأرض يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إنه بكل شيء عليم ) * يقول تعالى : * ( وما اختلفتم فيه من شيء ) * من أصول دينكم وفروعه ، مما لا تتفقوا عليه * ( فحكمه إلى الله ) * يرد إلى كتابه ، وإلى سنة رسوله ، فما حكما به ، فهو الحق ، وما خالف ذلك ، فباطل . * ( ذلكم الله ربي ) * أي : فكما أنه تعالى ، الرب الخالق الرازق المدبر ، فهو تعالى الحاكم بين عباده ، بشرعه في جميع أمورهم . ومفهوم الآية الكريمة ، أن اتفاق الأمة حجة قاطعة ، لأن الله تعالى ، لم يأمرنا أن نرد إليه إلا ما اختلفنا فيه . فما اتفقنا عليه ، يكفي اتفاق الأمة عليه ، لأنها معصومة عن الخطأ . ولا بد أن يكون اتفاقها ، موافقا لما في كتاب الله وسنة رسوله . وقوله : * ( عليه توكلت ) * أي : اعتمدت بقلبي عليه ، في جلب المنافع ، ودفع المضار ، واثقا به تعالى في الإسعاف بذلك ، * ( وإليه أنيب ) * أي : أتوجه بقلبي وبدني إليه ، وإلى طاعته وعبادته . وهذان الأصلان ، كثيرا ما يذكرهما الله في كتابه ، لأنهما يحصل بمجموعهما ، كمال العبد ، ويفوته