عبد الرحمن بن ناصر السعدي
713
تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان
( أي : غابت عن عينيه ) . * ( ردوها علي ) * فردوها * ( فطفق ) * أي : ( شرع ) فيها * ( مسحا بالسوق والأعناق ) * أي جعل يعقرها بسيفه ، في سوقها وأعناقها . * ( ولقد فتنا سليمان ) * أي : ابتليناه واختبرناه ، بذهاب ملكه وانفصاله عنه ، بسبب خلل اقتضته الطبيعة البشرية * ( وألقينا على كرسيه جسدا ) * أي : شيطانا قضى الله وقدر أن يجلس على كرسي ملكه ، ويتصرف في الملك في مدة فتنة سليمان * ( ثم أناب ) * سليمان إلى الله تعالى وتاب . * ( قال رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي إنك أنت الوهاب ) * . فاستجاب الله له وغفر له ، ورد عليه ملكه ، وزاده ملكا لم يحصل لأحد من بعده ، وهو تسخير الشياطين له ، يبنون ما يريد ، ويغروضون له في البحر ، يستخرجون الدر والحلي ، ومن عصاه منهم ، قرنه في الأصفاد وأوثقه . وقلنا له : * ( هذا عطاءنا ) * فقر به عينا * ( فامنن ) * على من شئت . * ( أو أمسك ) * من شئت * ( بغير حساب ) * أي : لا حرج عليك في ذلك ولا حساب ، لعلمه تعالى بكمال عدله ، وحسن أحكامه . ولا تحسبن هذا لسليمان في الدنيا دون الآخرة ، بل له في الآخرة خير عظيم . ولهذا قال : * ( وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب ) * أي : هو من المقربين عند الله المكرمين بأنواع الكرامات لله . فصل فيما تبين لنا من الفوائد والحكم في قصة داود وسليمان عليهما السلام فمنها : أن الله تعالى ، يقص على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم ، أخبار من قبله ، ليثبت فؤاده ، وتطمئن نفسه . ويذكر من عبادتهم وشدة صبرهم ، وإنابتهم ، ما يشوقه إلى منافستهم ، والتقرب إلى الله ، الذي تقربوا له ، والصبر على أذى قومه . ولهذا في هذا الموضع لما ذكر الله ما ذكر ، من أذية قومه وكلامهم فيه ، وفيما جاء به ، أمره بالصبر ، وأن يذكر عبده داود ، فيتأسى به . ومنها : أن الله تعالى ، يمدح ويحب القوة في طاعته ، قوة القلب والبدن . فإنه يحصل منها ، من آثار الطاعة وحسنها وكثرتها ، ما لا يحصل مع الوهن وعدم القوة . وأن العبد ، ينبغي له تعاطي أسبابها ، وعدم الركون إلى الكسل ، والبطالة المخلة بالقوة ، المضعفة للنفس . ومنها : أن الرجوع إلى الله في جميع الأمور ، من أوصاف أنبياء الله ، وخواص خلقه ، كما أثنى الله على داود وسليمان بذلك . فليقتد بهما المقتدون ، وليهتد بهداهم السالكون * ( أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده ) * . ومنها : ما أكرم الله به نبيه داود ، عليه السلام ، من حسن الصوت العظيم ، الذي جعل الله بسببه الجبال الصم ، والطيور البهم ، يجاوبنه إذا رجع صوته بالتسبيح ، ويسبحن معه بالعشي والإشراق . ومنها : أن من أكبر نعم الله على عبده ، أن يرزقه العلم النافع ، ويعرف الحكم والفصل بين الناس ، كما امتن الله به على عبده داود عليه السلام . ومنها : اعتناء الله تعالى بأنبيائه وأصفيائه ، عندما يقع منهم بعض الخلل بفتنته إياهم ، وابتلائهم بما به يزول عنهم المحذور ، ويعودون إلى أكمل من حالتهم الأولى ، كما جرى لدواد وسليمان عليهما السلام . ومنها : أن الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم ، معصومون من الخطأ فيما يبلغون عن الله تعالى ، لأن مقصود الرسالة لا يحصل إلا بذلك . وأنه قد يجري منهم بعض مقتضيات الطبيعة من المعاصي ، ولكن الله يتداركهم ويبادرهم بلطفه . ومنها : أن داود عليه السلام ، كان في أغلب أحواله ملازما محرابه ، لخدمة ربه ، ولهذا تسور الخصمان عليه المحراب ؛ لأنه كان إذا خلا في محرابه ، لا يأتيه أحد . فلم يجعل كل وقته للناس ، مع كثرة ما يرد عليه من الأحكام . بل جعل له وقتا ، يخلو فيه بربه ، وتقر عينه بعبادته ، وتعينه على الإخلاص في جميع أموره . ومنها : أنه ينبغي استعمال الأدب ، في الدخول على الحكام وغيرهم . فإن الخصمين لما دخلا على داود ، في حالة غير معتادة ، ومن غير الباب المعهود ، فزع منهم ، واشتد عليه ذلك ، ورآه غير لائق بالحال . ومنها : أنه لا يمنع لحاكم من الحكم بالحق ، سوء أدب الخصم ، وفعله ما لا ينبغي . ومنها : كمال حلم داود عليه السلام ، فإنه ما غضب عليهما ، حين جاءاه بغير استئذان ، وهو الملك ، ولا انتهرهما ، ولا وبخهما . ومنها : جواز قول المظلوم لمن ظلمه ( أنت ظلمتني ) أو ( يا ظالم ) أو ( باغ علي ) ونحو ذلك لقولهما : * ( خصمان بغى بعضنا على بعض ) * . ومنها : أن الموعوظ والمنصوح ، ولو كان كبير القدر ، جليل العلم ، إذا نصحة أحد ، أو وعظه ، لا يغضب ، ولا يشمئز ، بل يبادره بالقبول والشكر . فإن الخصمين نصحا داود ، فلم يشمئز ، ولم يغضب ، ولم يثنه ذلك عن الحق ، بل حكم بالحق الصرف . ومنها : أن المخالطة بين الأقارب والأصحاب ، وكثرة التعلقات الدنيوية المالية ، موجبة للتعادي بينهم ، وبغي بعضهم على بعض ، وأنه لا يرد عن ذلك ، إلا استعمال تقوى الله ، والصبر على الأمور ، بالإيمان والعمل الصالح ، وأن هذا من أقل شيء من الناس . ومها : أن الاستغفار والعبادة خصوصا الصلاة ، مكفرات للذنوب ، فإن الله رتب مغفرة ذنب داود ، على استغفاره وسجوده . ومنها : إكرام الله لعبده داود وسليمان ، بالقرب منه ، وحسن الثواب ، وأن لا يظن أن ما جرى لهما ، منقص لدرجتهما عند الله تعالى . وهذا من تمام لطفه بعباده المخلصين ، أنه إذا غفر لهم ، وأزال أثر ذنوبهم ، أزال الآثار المترتبة عليه كلها ، حتى ما يقع في