عبد الرحمن بن ناصر السعدي
714
تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان
قلوب الخلق ، فإنهم إذا علموا ببعض ذنوبهم ، وقع في قلوبهم نزولهم عن درجتهم الأولى ، فأزال الله تعالى هذه الآثار ، وما ذاك بعزيز على الكريم الغفار . ومنها : أن الحكم بين الناس ، مرتبة دينية ، وتولاها رسل الله ، وخواص خلقه . وأن وظيفة القائم بها الحكم بالحق ، ومجانبة الهوى . فالحكم بالحق ، يقتضي العلم بالأمور الشرعية ، والعلم بصورة القضية المحكوم بها ، وكيفية إدخالها في الحكم الشرعي . فالجاهل بأحد الأمرين لا يصلح للحكم ، ولا يحل له الإقدام عليه . ومنها : أنه ينبغي للحاكم أن يحذر الهوى ، ويجعله منه على بال ، فإن النفوس لا تخلو منه . بل يجاهد نفسه ، بأن يكون الحق مقصوده ، وأن يلقى عنه وقت الحكم ، كل محبة أو بغض لأحد الخصمين . ومنها : أن سليمان عليه السلام ، من فضائل داود ، ومن منن الله عليه . حيث وهبه له . وأن من أكبر نعم الله على عبده ، أن يهب له ولدا صالحا ، فإن كان عالما ، كان نورا على نور . ومنها : ثناء الله تعالى على سليمان ومدحه في قوله : * ( نعم العبد إنه أواب ) * . ومنها : كثرة خير الله وبره بعبيده ، أن يمن عليهم بصالح الأعمال ، ومكارم الأخلاق ، ثم يثني عليهم بها ، وهو المتفضل الوهاب . ومنها : تقديم سليمان ، محبة الله تعالى على محبة كل شيء . ومنها : أن كل ما شغل العبد عن الله ، فإنه مشؤوم مذموم ، فليفارق وليقبل على ما هو أنفع له . ومنها : القاعدة المشهورة ( من ترك شيئا لله ، عوضه الله خيرا منه ) . فسليمان عليه السلام عقر الجياد الصافنات المحبوبة للنفوس ، تقديما لمحبة الله ، فعوضه الله خيرا من ذلك ، بأن سخر له الريح الرخاء اللينة ، التي تجري بأمره إلى حيث أراد وقصد ، غدوها شهر ، ورواحها شهر ، وسخر له الشياطين ، أهل الاقتدار على الأعمال التي لا يقدر عليها الآدميون . ومنها : أن سليمان عليه السلام ، كان ملكا نبيا ، يفعل ما أراد ، ولكنه لا يريد إلا العدل . بخلاف النبي العبد ، فإنه تكون إرادته تابعة لأمر الله ، فلا يفعل ولا يترك ، إلا بالأمر ، كحال نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، وهذه الحال أكمل . * ( واذكر عبدنآ أيوب إذ نادى ربه أني مسني الشيطان بنصب وعذاب * اركض برجلك ه ذا مغتسل بارد وشراب * ووهبنا له أهله ومثلهم معهم رحمة منا وذكرى لأولي الألباب * وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث إنا وجدناه صابرا نعم العبد إنه أواب ) * أي : * ( واذكر ) * في هذا الكتاب * ( عبدنا أيوب ) * بأحسن الذكر ، وأثن عليه بأحسن الثناء ، حين أصابه الضر ، فصبر على ضره ، فلم يشتك لغير ربه ، ولا لجأ إلا إليه . * ( إذ نادى ربه ) * داعيا شاكيا إليه لا إلى غيره فقال : رب * ( أني مسني الشيطان بنصب وعذاب ) * أي : بأمر مشق متعب معذب ، وكان سلط على جسده فنفخ فيه ، حتى تقرح ، ثم تقيح بعد ذلك ، واشتد به الأمر وكذلك هلك أهله وماله . فقيل : * ( اركض برجلك ) * أي : اضرب الأرض بها ، لينبع لك منها عين تغتسل منها وتشرب ، فيذهب عنك الضر والأذى . ففعل ذلك ، فذهب عنه الضر ، وشفاه الله تعالى . * ( ووهبنا له أهله ) * قيل : إن الله تعالى أحياهم له * ( ومثلهم معهم ) * في الدنيا ، وأغناه الله ، وأعطاه مالا عظيما . * ( رحمة منا ) * بعبدنا أيوب ، حيث صبر فأثبناه من رحمتنا ، ثوابا عاجلا وآجلا . * ( وذكرى لأولي الألباب ) * أي : وليتذكر أولو العقول بحالة أيوب ، ويعتبروا ، فيعلموا أن من صبر على الضر ، فإن الله تعالى يثيبه ثوابا عاجلا وآجلا ، ويستجيب دعاءه إذا دعاه . * ( وخذ بيدك ضغثا ) * أي : حزمة شماريخ * ( فاضرب به ولا تحنث ) * . قال المفسرون : وكان في مرضه وضره ، قد غضب على زوجته في بعض الأمور . فحلف : لئن شفاه الله ، ليضربنها مائة جلدة . فلما شفاه الله ، وكانت امرأته صالحة محسنة إليه ، رحمها الله ورحمه ، فأفتاه أن يضربها بضغث فيه مائة شمراخ ، ضربة واحدة ، فيبر في يمينه . * ( إنا وجدناه ) * أي : أيوب * ( صابرا ) * أي : ابتليناه بالضر العظيم ، فصبر لوجه الله تعالى . * ( نعم العبد ) * الذي كمل مراتب العبودية ، في حال السراء والضراء ، والشدة والرخاء . * ( إنه أواب ) * أي : كثير الرجوع إلى الله ، في مطالبه الدينية والدنيوية ، كثير الذكر لربه ، والدعاء . والمحبة ، والتأله . * ( واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولي الأيدي والأبصار إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار وإنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار ) * يقول تعالى : * ( واذكر عبادنا ) * الذين أخلصوا لنا العبادة ذكرا حسنا . * ( إبراهيم ) * الخليل * ( و ) * ابنه * ( إسحاق و ) * ابنه * ( يعقوب أولي الأيدي ) * أي : القوة على عبادة الله تعالى * ( والأبصار ) * أي :