عبد الرحمن بن ناصر السعدي

579

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان

واستهزاء . * ( يأكل الطعام ) * وهذا من خصائص البشر ، فهلا كان ملكا ، لا يأكل الطعام ، ولا يحتاج إلى ما يحتاج إليه البشر . * ( ويمشي في الأسواق ) * للبيع والشراء ، وهذا بزعمهم لا يليق بمن يكون رسولا ، مع أن الله قال : * ( وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق ) * . * ( لولا أنزل إليه ملك ) * أي : هلا أنزل معه ملك يساعده ويعاونه . * ( فيكون معه نذيرا ) * وبزعمهم أنه غير كاف للرسالة ، ولا بطوقه وقدرته القيام بها . * ( أو يلقى إليه كنز ) * أي : ما مجموع من غير تعب . * ( أو تكون له جنة يأكل منها ) * فيستغني بذلك عن مشيه في الأسواق لطلب الرزق . * ( وقال الظالمون ) * حملهم على القول ، ظلمهم لا اشتباه منهمه . * ( إن تتبعون إلا رجلا مسحورا ) * هذا ، وقد علموا كمال عقله ، وحسن حديثه ، وسلامته من جميع المطاعن . ولما كانت هذه الأقوال منهم ، عجيبة جدا ، قال تعالى : * ( انظر كيف ضربوا لك الأمثال ) * وهي : هل كان ملكا ، وزالت عنه خصائص البشر ؟ أو معه ملك ، لأنه غير قادر على ما قال ، أو أنزل عليه كنز ، أو جعلت له جنة تغنيه عن المشي في الأسواق ، أو أنه كان مسحورا . * ( فضلوا فلا يستطيعون سبيلا ) * قالوا : أقوالا متناقضة ، كلها جهل ، وضلال ، وسفه ، ليس في شيء منها هداية ، بل ولا في شيء منها أدنى شبهة ، تقدح في الرسالة . فبمجرد النظر إليها وتصورها ، يجزم العاقل ببطلانها ، ويكفيه عن ردها . ولهذا أمر تعالى بالنظر إليها ، وتدبرها ، والنظر : هل توجب التوقف عن الجزم للرسول بالرسالة والصدق ؟ ولهذا أخبر أنه قادر على أن يعطيه خيرا كثيرا في الدنيا فقال : * ( تبارك الذي إن شاء جعل لك خيرا من ذلك ) * أي : خيرا مما قالوا ، ثم فسره بقوله : * ( جنات تجري من تحتها الأنهار ويجعل لك قصورا ) * مرتفعة مزخرفة ، فقدرته ومشيئته ، لا تقصر عن ذلك ، ولكنه تعالى لما كانت الدنيا عنده في غاية البعد والحقارة أعطى منها أولياءه ورسله ، ما اقتضته حكمته منها . واقتراح أعدائهم بأنهم ، هلا رزقوا منها رزقا كثيرا جدا ، ظلم وجراءة . ولما كانت تلك الأقوال ، التي قالوها ، معلومة الفساد ، وأخبر تعالى أنها لم تصدر منهم لطلب الحق ، ولا لاتباع البرهان ، وإنما صدرت منهم تعنتا وظلما ، وتكذيبا بالحق ، قالوا ما في قلوبهم من ذلك ، ولهذا قال : * ( بل كذبوا بالساعة ) * ، والمكذب المتعنت ، الذي ليس له قصد في اتباع الحق ، لا سبيل إلى هدايته ، ولا حيلة في مجادلته وإنما له حيلة واحدة ، وهي نزول العذاب به ، فلهذا قال : * ( وأعتدنا لمن كذب بالساعة سعيرا ) * أي : نارا عظيمة ، قد اشتد سعيرها ، وتغيظت على أهلها ، واشتد زفيرها . * ( إذا رأتهم من مكان بعيد ) * أي : قبل وصولهم ، ووصولها إليهم * ( سمعوا لها تغيظا ) * عليهم * ( وزفيرا ) * تقلق منهم الأفئدة ، وتتصدع القلوب ، ويكاد الواحد منهم ، يموت خوفا منها ، وذعرا ، قد غضبت عليهم ، لغضب خالقها ، وقد زاد لهبها ، لزيادة كفرهم وشرهم . * ( وإذا ألقوا منها مكانا ضيقا مقرنين ) * أي : وقت عذابهم ، وهم في وسطها ، جمع في مكان بين ضيق المكان ، وتزاحم السكان وتقرينهم بالسلاسل والأغلال . فإذا وصلوا لذلك المكان النحس ، وحبسوا في أشر حبس * ( دعوا هنالك ثبورا ) * دعوا على أنفسهم بالثبور ، والخزي والفضيحة ، وعلموا أنهم ظالمون معتدون ، قد عدل فيهم الخالق ، حيث أنزلهم بأعمالهم هذا المنزل ، وليس ذلك الدعاء والاستغاثة بنافعة لهم ، ولا مغنية من عذاب الله . بل يقال لهم : * ( لا تدعوا اليوم ثبورا واحدا وادعوا ثبورا كثيرا ) * أي : لو زاد ما قلتم أضعاف أضعافه ، ما أفادكم إلا الهم ، والغم ، والحزن . * ( قل أذلك خير أم جنة الخلد التي وعد المتقون كانت لهم جزاء ومصيرا * لهم فيها ما يشآءون خالدين كان على ربك وعدا مسؤولا ) * لما بين جزاء الظالمين ، ناسب أن يذكر جزاء المتقين فقال : * ( قل أذلك خير ) * إلى * ( وعدا مسؤولا ) * . أي : قل لهم مبينا لسفاهة رأيهم ، واختيارهم الضار على النافع * ( أذلك ) * الذي وضعت لكم من العذاب * ( خير أم جنة الخلد التي وعد المتقون ) * التي زادها تقوى الله ، فمن قام بالتقوى ، فالله قد وعده إياها . * ( كانت لهم جزاء ) * على تقواهم * ( ومصيرا ) * موئلا يرجعون إليها ، ويستقرون فيها ، ويخلدون دائما أبدا . * ( لهم فيها ما يشاؤون ) * أي : ما يطلبون وتتعلق بهم أمانيهم ومشيئتهم ، من المطاعم ، والمشارب اللذيذة ، والملابس الفاخرة ، والنساء الجميلات ، والقصور العاليات ، والجنات ، والحدائق المرجحنة والفواكه ، التي تسر ناظريها وآكليها ، من حسنها ، وتنوعها ، وكثرة أصنافها ، والأنهار التي تجري في رياض الجنة ، وبساتينها ، حيث شاؤوا يصرفونها ، ويفجرونها أنهارا من ماء غير آسن ، وأنهارا من لبن لم يتغير طعمه ، وأنهارا من خمر لذة للشاربين وأنهارا من عسل مصفى ، وروائح طيبة ، ومساكن ،