عبد الرحمن بن ناصر السعدي
580
تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان
مزخرفة ، وأصوات شجية ، تأخذ من حسنها ، بالقلوب ، ومزاورة الإخوان ، والتمتع بلقاء الأحباب . وأعلى من ذلك كله ، التمتع بالنظر إلى وجه الرب الرحيم ، وسماع كلامه ، والحظوة بقربه ، والسعادة برضاه ، والأمن من سخطه ، واستمرار هذا النعيم ودوامه ، وزيادته على ممر الأوقات ، وتعاقب الآنات * ( كان ) * دخولها والوصول إليها * ( على ربك وعدا مسؤولا ) * يسأله إياها ، عباده المتقون بلسان حالهم ، ولسان مقالهم ، فأي الدارين المذكورتين ، خير وأولى بالإيثار ؟ وأي العاملين ، عمال دار الشقاء ، أو عمال دار السعادة ، أولى بالفضل والعقل ، والفخر ، يا أولي الألباب ؟ لقد وضح الحق ، واستنار السبيل ، فلم يبق للمفرط عذر ، في تركه الدليل ، فنرجوك يا من قضيت على أقوام بالشقاء ، وأقوام بالسعادة ، أن تجعلنا ممن كتبت لهم الحسنى وزيادة . ونستعيذ بك اللهم ، من حالة الأشقياء ، ونسألك المعافاة منها . * ( ويوم يحشرهم وما يعبدون من دون الله فيقول أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء أم هم ضلوا السبيل * قالوا سبحانك ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك من أولياء ول كن متعتهم وآبآءهم حتى نسوا الذكر وكانوا قوما بورا * فقد كذبوكم بما تقولون فما تستطيعون صرفا ولا نصرا ومن يظلم منكم نذقه عذابا كبيرا * ومآ أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون وكان ربك بصيرا ) * يخبر تعالى عن حالة المشركين وشركائهم يوم القيامة ، وتبريهم منهم ، وبطلان سعيهم فقال : * ( ويوم يحشرهم ) * أي : المكذبين المشركين * ( وما يعبدون من دون الله فيقول ) * الله مخاطبا للمعبودين على وجه التقريع لمن عبدهم : * ( أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء أم هم ضلوا السبيل ) * هل أمرتموهم بعبادتكم ، وزينتم لهم ذلك ، أم ذلك من تلقاء أنفسهم ؟ * ( قالوا سبحانك ) * نزهوا الله عن شرك المشركين به ، وبرؤوا أنفسهم من ذلك . * ( ما كان ينبغي لنا ) * أي : لا يليق بنا ، ولا يحسن منا ، أن نتخذ من دونك من أولياء ، نتولاهم ، ونعبدهم ، وندعوهم ، فإذا كنا محتاجين ومفتقرين إلى عبادتك ، ومتبرين من عبادة غيرك ، فكيف نأمر أحدا بعبادتنا ؟ هذا لا يكون . أو ، سبحانك * ( أن نتخذ من دونك من أولياء ) * وهذا كقول المسيح عيسى بن مريم عليه السلام : * ( وإذ قال الله يا عيسى بن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله ، قال : سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق ، إن كنت قلته فقد علمته ، تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب . ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم ) * الآية . وقال تعالى : * ( ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون * قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم ، بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون ) * ، * ( وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين ) * . فلما نزهوا أنفسهم ، أن يدعوا لعبادة غير الله ، أو يكونوا أضلوهم ، ذكروا السبب الموجب لإضلال المشركين فقالوا : * ( ولكن متعتهم وآباءهم ) * في لذات الدنيا وشهواتها ، ومطالبها النفسية . * ( حتى نسوا الذكر ) * اشتغالا في لذات الدنيا ، وانكبابا على شهواتها ، فحافظوا على دنياهم ، وضيعوا دينهم * ( وكانوا قوما بورا ) * أي : بائرين لا خير فيهم ، ولا يصلحون لصالح ، لا يصلحون إلا للهلاك والبوار ، فذكروا المانع من اتباعهم الهدى ، وهو التمتع في الدنيا ، الذي صرفهم عن الهدى . وعدم المقتضى للهدى ، وهو : أنهم لا خير فيهم ، فإذا عدموا المقتضى ، ووجد المانع ، فلا نشاء من شر وهلاك ، إلا وجدته فيهم ، فلما تبرؤوا منهم ، قال الله توبيخا وتقريعا للمعاندين : * ( فقد كذبوكم بما تقولون ) * إنهم أمروكم بعبادتهم ، ورضوا فعلكم وأنهم شفعاء لكم عند ربكم ، كذبوكم في ذلك الزعم ، وصاروا من أكبر أعدائكم ، فحق عليكم العذاب . * ( فما تستطيعون صرفا ) * للعذاب عنكم بفعلكم ، أو بفداء ، أو غير ذلك ، * ( ولا نصرا ) * لعجزكم ، وعدم ناصركم . هذا حكم الضالين المقلدين الجاهلين ، كما رأيت ، أسوأ حكم ، وشر مصير . وأما المعاند منهم ، الذي عرف الحق وصدف عنه ، فقال في حقه : * ( ومن يظلم منكم ) * بترك الحق ظلما وعنادا * ( نذقه عذابا كبيرا ) * لا يقادر قدره ، ولا يبلغ أمره . ثم قال تعالى جوابا لقول المكذبين : * ( ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق ) * فما جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام ، وما جعلناهم ملائكة ، فلك فيهم أسوة . وأما الغنى والفقر ، فهو فتنة ، وحكمة من الله تعالى ، كما قال : * ( وجعلنا بعضكم لبعض فتنة ) * الرسول فتنة للمرسل إليهم ، واختبار للمطيعين من العاصين ، والرسل فتناهم بدعوة الخلق ، والغني فتنة للفقير ، والفقر فتنة للغني ، وهكذا سائر أصناف الخلق في هذه الدار ، دار الفتن والابتلاء والاختبار . والقصد من تلك الفتنة * ( أتصبرون ) * فتقومون بما هو وظيفتكم اللازمة الراتبة ، فيثيبكم مولاكم ، أم لا تصبرون فتستحقون المعاقبة ؟ * ( وكان ربك بصيرا ) * يرى ويعلم أحوالكم ويصطفي من يعلمه يصلح