عبد الرحمن بن ناصر السعدي

578

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان

للخالق لسائر المخلوقات ، من غير مشاركة له ، في ذلك الذي بيده النفع والضر ، والعطاء والمنع ، الذي يحيي ويميت ، ويبعث من في القبور ، ويجمعهم يوم النشور ، وقد جعل لهم دارين ، دار الشقاء ، والخزي ، والنكال ، لمن اتخذ معه آلهة أخرى ، ودار الفوز والسعادة ، والنعيم المقيم ، لمن اتخذه وحده ، معبودا . * ( وقال الذين كفروا إن ه ذا إلا إفك افتراه وأعانه عليه قوم آخرون فقد جآءوا ظلما وزورا * وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا * قل أنزله الذي يعلم السر في السماوات والأرض إنه كان غفورا رحيما ) * ولما قرر بالدليل القاطع الواضح ، صحة التوحيد وبطلان ضده ، قرر صحة الرسالة ، وبطلان قول من عارضها واعترضها فقال : * ( وقال الذين كفروا ) * إلى * ( إنه كان رحيما ) * . أي : وقال الكافرون بالله ، الذي أوجب لهم كفرهم ، أن قالوا في القرآن والرسول : إن هذا القرآن كذب ، كذبه محمد ، وإفك ، افتراه على الله ، وأعانه على ذلك قوم آخرون . فرد الله عليهم ذلك ، بأن هذا مكابرة منهم ، وإقدام على الظلم والزور ، الذي لا يمكن ، أن يدخل عقل أحد ، وهم أشد الناس معرفة بحالة الرسول صلى الله عليه وسلم ، وكمال صدقه ، وأمانته ، وبره التام ، وأنه لا يمكنه ، لا هو ، ولا سائر الخلق ، أن يأتوا بهذا القرآن ، الذي هو أجل الكلام وأعلاه ، وأنه لم يجتمع بأحد بعينه ، على ذلك ، فقد جاؤوا بهذا القول ظلما وزورا . ومن جملة أقاويلهم فيه ، أن قالوا : هذا الذي جاء به محمد * ( أساطير الأولين اكتتبها ) * أي : هذا قصص الأولين وأساطيرهم ، التي تتلقاها الأفواه ، وينقلها كل أحد ، استنسخها محمد * ( فهي تملى عليه بكرة وأصيلا ) * وهذا القول منهم ، فيه عدة عظائم : منها : رميهم الرسول ، الذي هو أبر الناس وأصدقهم ، بالكذب ، والجرأة العظيمة . ومنها : إخبارهم عن هذا القرآن ، الذي هو أصدق الكلام وأعظمه ، وأجله ، بأنه كذب وافتراء . ومنها : أن في ضمن ذلك ، أنهم قادرون أن يأتوا بمثله ، وأن يضاهي المخلوق الناقص من كل وجه ، للخالق الكامل من كل وجه ، بصفة من صفاته ، وهي الكلام . ومنها : أن الرسول ، قد علمت حاله ، وهم أشد الناس علما بها ، أنه لا يكتب ، ولا يجتمع بمن يكتب له ، وهم قد زعموا ذلك . فلذلك رد عليهم ذلك بقوله : * ( قل أنزله الذي يعلم السر في السماوات والأرض ) * أي : أنزله من أحاط علمه بما في السماوات ، وما في الأرض ، من الغيب والشهادة ، والجهر والسر ، لقوله : * ( وإنه لتنزيل رب العالمين نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين ) * . ووجه إقامة الحجة عليهم ، أن الذي أنزله ، هو المحيط علمه بكل شيء فيستحيل ويمتنع ، أن يقول مخلوق ، ويتقول عليه ، هذا القرآن ، ويقول : هو من عند الله ، وما هو من عنده ، ويستحل دماء من خالفه ، وأموالهم ، ويزعم أن الله قال له ذلك . والله يعلم كل شيء ، ومع ذلك فهو يؤيده وينصره على أعدائه ، ويمكنه من رقابهم وبلادهم ، فلا يمكن أحدا أن ينكر هذا القرآن ، إلا بعد إنكار علم الله . وهذا لا تقول به طائفة من بني آدم ، سوى الفلاسفة الدهرية . وأيضا ، فإن ذكر علمه تعالى العام ، ينبههم ، ويحضهم على تدبر القرآن ، وأنهم لو تدبروا ، لرأوا فيه ، من علمه وأحكامه ، ما يدل دلالة قاطعة ، على أنه لا يكون إلا من عالم الغيب والشهادة . ومع إنكارهم للتوحيد والرسالة من لطف الله بهم ، أنه لم يدعهم وظلمهم ، بل دعاهم إلى التوبة والإنابة إليه ، ووعدهم بالمغفرة والرحمة ، إن هم تابوا ، ورجعوا فقال : * ( إنه كان غفورا ) * أي : وصفه المغفرة ، لأهل الجرائم والذنوب ، إذا فعلوا أسباب المغفرة ، وهي : الرجوع عن معاصيه ، والتوبة منها . * ( رحيما ) * بهم ، حيث لم يعاجلهم بالعقوبة ، وقد فعلوا مقتضاها ، وحيث قبل توبتهم بعد المعاصي ، وحيث محا ، ما سلف من سيئاتهم ، وحيث قبل حسناتهم ، وحيث أعاد الراجع إليه بعد شروده ، والمقبل عليه بعد إعراضه ، إلى حالة المطيعين المنيبين إليه . * ( وقالوا ما له ذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا * أو يلقى إليه كنز أو تكون له جنة يأكل منها وقال الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا * انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلا * تبارك الذي إن شاء جعل لك خيرا من ذلك جنات تجري من تحتها الأنهار ويجعل لك قصورا * بل كذبوا بالساعة وأعتدنا لمن كذب بالساعة سعيرا * إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظا وزفيرا * وإذا ألقوا منها مكانا ضيقا مقرنين دعوا هنالك ثبورا * لا تدعوا اليوم ثبورا واحدا وادعوا ثبورا كثيرا ) * هذا من مقالة المكذبين للرسول ، الذين قدحوا في رسالته ، وهو : أنهم اعترضوا بأنه ، هلا كان ملكا أو ملكا ، أو يساعده ملك ، فقالوا : * ( ما لهذا الرسول ) * أي : ما لهذا الذي ادعى الرسالة ؟ تهكما منهم