عبد الرحمن بن ناصر السعدي
577
تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان
يفعل ذلك ، وذهب من غير استئذان . فهو وإن خفي عليكم بذهابه على وجه خفي وهو المراد بقوله * ( يتسللون منكم لواذا ) * أي : يلوذون وقت تسللهم وانطلاقهم ، بشيء يحجبهم عن العيون ، فالله يعلمهم وسيجازيهم على ذلك ، أتم الجزاء ، ولهذا توعدهم بقوله : * ( فليحذر الذين يخالفون عن أمره ) * أي : يذهبون إلى بعض شؤونهم عن أمر الله ورسوله ، فكيف بمن لم يذهب إلى شأن من شؤونه ؟ وإنما ترك أمر الله ، من دون شغل له . * ( أن تصيبهم فتنة ) * أي : شرك وشر * ( أو يصيبهم عذاب أليم ) * . * ( ألا إن لله ما في السماوات والأرض ) * ملكا وعبيدا ، يتصرف فيهم بحكمه القدري ، وحكمه الشرعي . * ( قد يعلم ما أنتم عليه ) * أي : قد أحاط علمه ، بما أنتم عليه ، من خير ، وشر ، وعلم جميع أعمالكم ، أحصاها علمه ، وجرى بها قلمه ، وكتبتها عليكم الحفظة الكرام الكاتبون . * ( ويوم يرجعون إليه ) * أي : يوم القيامة * ( فينبئهم بما عملوا ) * يخبرهم بجميع أعمالهم ، دقيقها ، وجليلها ، إخبارا مطابقا ، لما وقع منهم ويستشهد عليهم ، أعضاءهم ، فلا يعدمون منه فضلا ، أو عدلا . ولما قيد علمه بأعمالهم ، ذكر العموم بعد الخصوص ، فقال : * ( والله بكل شيء عليم ) * . تم تفسير سورة النور ولله الحمد والشكر . سورة الفرقان * ( تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا * الذي له ملك السماوات والأرض ولم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك وخلق كل شيء فقدره تقديرا ) * هذا بيان لعظمته الكاملة ، وتفرده بالوحدانية من كل وجه ، وكثرة خيراته وإحسانه ، فقال : * ( تبارك ) * أي : تعاظم ، وكملت أوصافه ، وكثرت خيراته ، الذي من أعظم خيراته ونعمه ، أن * ( نزل هذا القرآن ) * الفارق بين الحلال والحرام ، والهدى والضلال ، وأهل السعادة من أهل الشقاوة . * ( على عبده ) * محمد صلى الله عليه وسلم الذي كمل مراتب العبودية ، وفاق جميع المرسلين . * ( ليكون ) * ذلك الإنزال للفرقان على عبده * ( للعالمين نذيرا ) * ، ينذرهم بأس الله ونقمه ، ويبين لهم ، مواقع رضا الله من سخطه ، حتى إن من قبل نذارته ، وعمل بها ، كان من الناجين في الدنيا والآخرة ، الذين حصلت لهم السعادة الأبدية ، والملك السرمدي . فهل فوق هذه النعمة ، وهذا الفضل والإحسان ، شيء ؟ فتبارك الذي هذا بعض إحسانه وبركاته . * ( الذي له ملك السماوات والأرض ) * أي : له التصرف فيهما وحده ، وجميع من فيهما ، مماليك وعبيد له ، مذعنون لعظمته ، خاضعون لربوبيته ، فقراء إلى رحمته ، الذي * ( لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ) * . وكيف يكون له ولد ، أو شريك ، وهو المالك ، وغيره مملوك ، وهو القاهر ، وغيره مقهور ، وهو الغني بذاته ، من جميع الوجوه ، والمخلوقون ، مفتقرون إليه ، فقراء من جميع الوجوه ؟ وكيف يكون له شريك في الملك ، ونواصي العباد كلهم بيديه ، فلا يتحركون أو يسكنون ، ولا يتصرفون ، إلا بإذنه ، فتعالى الله عن ذلك ، علوا كبيرا ، فلم يقدره حق قدره ، من قال فيه ذلك ، ولهذا قال : * ( وخلق كل شيء ) * شمل العالم العلوي ، والعالم السفلي ، من حيواناته ، ونباتاته ، وجماداته . * ( فقدره تقديرا ) * أي : أعطى كل مخلوق منها ، ما يليق به ، ويناسبه من الخلق ، وما تقتضيه حكمته ، من ذلك ، بحيث صار كل مخلوق ، لا يتصور العقل الصحيح ، أن يكون بخلاف شكله ، وصورته المشاهدة ، بل كل جزء وعضو من المخلوق الواحد ، لا يناسبه غير محله ، الذي هو فيه . قال تعالى : * ( سبح اسم ربك الأعلى الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى ) * ، وقال تعالى : * ( ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى ) * . * ( واتخذوا من دونه آلهة لا يخلقون شيئا وهم يخلقون ولا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا ولا يملكون موتا ولا حي اة ولا نشورا ) * ولما بين كماله وعظمته ، وكثرة إحسانه ، كان ذلك مقتضيا لأن يكون وحده ، المحبوب المألوه ، المعظم ، المفرد بالإخلاص وحده ، لا شريك له ناسب أن يذكر بطلان عبادة ما سواه فقال : * ( واتخذوا ) * إلى قوله : * ( ولا نشورا ) * . أي : من أعجب العجائب ، وأول الدليل على سفههم ، ونقص عقولهم ، بل أدل على ظلمهم ، وجراءتهم على ربهم ، أن اتخذوا آلهة بهذه الصفة وبلغ من عجزها ، أنها لا تقدر على خلق شيء ، بل هم مخلوقون ، بل بعضهم مما عملته أيديهم . * ( ولا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا ) * أي : لا قليلا ولا كثيرا ، لأنه نكرة في سياق النفي فتعم . * ( ولا يملكون موتا ولا حياة ولا نشورا ) * أي : بعثا بعد الموت ، فأعظم أحكام العقل ، بطلان إلهيتها ، وفسادها ، وفساد عقل من اتخذها آلهة ، وشركاء