عبد الرحمن بن ناصر السعدي

502

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان

السماوات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى * وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى * الله لا إل ه إلا هو له الأسمآء الحسنى ) * * ( طه ) * من جملة الحروف المقطعة ، المفتتح بها كثير من السور ، وليست اسما للنبي صلى الله عليه وسلم . * ( ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى ) * أي : ليس المقصود بالوحي ، وإنزال القرآن عليك ، وشرع الشريعة ، لتشقى بذلك ، ويكون في الشريعة تكليف يشق على المكلفين وتعجز عنه قوى العاملين . وإنما الوحي ، والقرآن والشرع ، شرعه الرحيم الرحمن ، وجعله موصلا للسعادة ، والفلاح ، والفوز ، وسهله غاية التسهيل ، ويسر كل طرقه وأبوابه ، وجعله غذاء للقلوب والأرواح ، وراحة للأبدان ، فتلقته الفطر السليمة والعقول المستقيمة ، بالقبول ، والإذعان ، لعلمها بما احتوى عليه ، من الخير في الدنيا والآخرة ، ولهذا قال : * ( إلا تذكرة لمن يخشى ) * أي : إلا ليتذكر به من يخشى الله تعالى ، فيتذكر ما فيه من الترغيب ، لأجل المطالب ، فيعمل بذلك ، ومن الترهيب عن الشقاء والخسران ، فيرهب منه ، ويتذكر به الأحكام الحسنة الشرعية المفصلة ، التي كانت مستقرا في عقله حسنها مجملا ، فوافق التفصيل ما يجده في فطرته وعقله ، ولهذا سماه الله * ( تذكرة ) * . والتذكرة لشيء كان موجودا ، إلا أن صاحبه غافل عنه ، أو غير مستحضر لتفصيله . وخص بالتذكرة * ( من يخشى ) * لأن غيره لا ينتفع به ، وكيف ينتفع به من لم يؤمن بجنة ولا نار ، ولا في قلبه من خشية الله مثقال ذرة ؟ هذا ما لا يكون . * ( سيذكر من يخشى * ويتجنبها الأشقى * الذي يصلى النار الكبرى ) * . ثم ذكر جلالة هذا القرآن العظيم ، وأنه تنزيل خالق الأرض والسماوات ، المدبر لجميع المخلوقات ، أي : فاقبلوا تنزيله ، بغاية الإذعان ، والمحبة ، والتسليم ، وعظموه نهاية التعظيم . وكثيرا ما يقرن بين الخلق ، والأمر ، كما في هذه الآية ، وكما في قوله : * ( ألا له الخلق والأمر ) * وفي قوله : * ( الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن ) * وذلك أنه الخالق الآمر الناهي ، فكما أنه لا خالق سواه ، فليس على الخلق إلزام ، ولا أمر ، ولا نهي إلا من خالقهم ، وأيضا ، فإن خلقه للخلق ، فيه من التدبير القدري الكوني ، وأمره ، فيه التدبير الشرعي الديني ، فكما أن الخلق لا يخرج عن الحكمة ، فلم يخلق شيئا عبثا ، فكذلك لا يأمر ولا ينهى ، إلا بما هو عدل ، وحكمة ، وإحسان . فلما بين أنه الخالق المدبر ، الآمر الناهي ، أخبر عن عظمته وكبريائه ، فقال : * ( الرحمن على العرش ) * الذي هو أرفع المخلوقات وأعظمها ، وأوسعها . * ( استوى ) * استواء يليق بجلاله ، ويناسب عظمته وجماله ، فاستوى على العرش ، واحتوى على الملك . * ( له ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما ) * من ملك وإنسي وجني ، وحيوان ، وجماد ، ونبات . * ( وما تحت الثرى ) * أي : الأرض ، فالجميع ملك لله ، تعالى عبيد مدبرون مسخرون ، تحت قضائه وتدبيره ليس لهم من الملك شيء ، ولا يملكون لأنفسهم ، نفعا ولا ضرا ، ولا موتا ، ولا حياة ، ولا نشورا . * ( وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر ) * الكلام الخفي * ( وأخفى ) * من السر ، الذي في القلب ، ولم ينطق به ، أو السر : ما خطر على القلب * ( وأخفى ) * : ما لم يخطر ، يعلم تعالى أنه يخطرفي وقته ، وعلى صفته . المعنى : أن علمه تعالى محيط بجميع الأشياء ، دقيقها ، وجليها ، خفيها ، وظاهرها ، فسواء جهرت بقولك أو أسررته ، فالكل سواء ، بالنسبة لعلمه تعالى . فلما قرر كماله المطلق ، بعموم خلقه ، وعموم أمره ونهيه ، وعموم رحمته ، وسعة عظمته ، وعلوه على عرشه ، وعموم ملكه ، وعموم علمه ، نتج من ذلك ، أنه المستحق للعبادة ، وأن عبادته هي الحق التي يوجبها الشرع ، والعقل ، والفطرة . وعبادة غيره باطلة ، فقال : * ( الله لا إله إلا هو ) * أي : لا معبود بحق ، ولا مألوه بالحب والذل ، والخوف والرجاء ، والمحبة والإنابة والدعاء ، إلا هو . * ( له الأسماء الحسنى ) * أي : له الأسماء الكثيرة الكاملة الحسنى ، من حسنها ، أنها كلها ، أسماء دالة على المدح ، فليس فيها ، اسم لا يدل على المدح والحمد ، ومن حسنها ، أنها ليست أعلاما محضة ، وإنما هي أسماء وأوصاف . ومن حسنها ، أنها دالة على الصفات الكاملة ، وأن له من كل صفة ، أكملها ، وأعمها ، وأجلها ، ومن حسنها ، أنه أمر العباد أن يدعوه بها ، لأنها وسيلة مقربة إليه ، يحبها ، ويحب من يحبها ، ويحب من يحفظها ، ويحب من يبحث عن معانيها ويتعبد له بها ، قال تعالى : * ( ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها ) * . * ( وهل أتاك حديث موسى * إذ رأى نارا فقال لأهله امكثوا إني آنست نارا لعلي آتيكم منها بقبس أو أجد على النار هدى * فلما أتاها نودي يا موسى * إني أنا ربك فاخلع نعليك إنك بالواد المقدس طوى * وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى * إنني أنا الله لا إل ه إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري * إن الساعة آتية أكاد أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى ) * يقول تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم على وجه الاستفهام التقريري والتعظيم لهذه القصة والتفخيم لها : * ( وهل أتاك حديث موسى ) * في حاله التي هي مبدأ سعادته ، ومنشأ نبوته ، أنه رأى نارا من بعيد ، وكان قد ضل الطريق ، وأصابه