عبد الرحمن بن ناصر السعدي

503

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان

البرد ، ولم يكن عنده ما يتدفأ به في سفره . * ( فقال لأهله امكثوا إني آنست ) * أي : أبصرت * ( نارا ) * وكان ذلك في جانب الطور الأيمن . * ( لعلي آتيكم منها بقبس ) * تصطلون به * ( أو أوجد على النار هدى ) * . أي : من يهديني الطريق . وكان مطلبه ، النور الحسي والهداية الحسية ، فوجد ثم النور المعنوي ، نور الوحي ، الذي تستنير به الأرواح والقلوب ، والهداية الحقيقية ، هداية الصراط المستقيم ، الموصلة إلى جنات النعيم . فحصل له أمر ، لم يكن في حسابه ، ولا خطر بباله . * ( فلما أتاها ) * أي : النار التي آنسها من بعيد ، وكانت في الحقيقة نورا ، وهي نار تحرق وتشرق ، ويدل على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم ( حجابه النور أو النار لو كشفه ، لأحرقت سبحات وجهه ، ما انتهى إليه بصره ) ، فلما وصل إليها نودي منها أي : ناداه الله كما قال : * ( وناديناه من جانب الطور الأيمن وقربناه نجيا ) * . * ( إني أنا ربك فاخلع نعليك إنك بالواد المقدس طوى ) * أخبره أنه ربه ، وأمره ، أن يستعد ويتهيأ لمناجاته ، ويهتم لذلك ، ويلقي نعليه ، لأنه بالوادي المقدس المطهر المعظم . ولو لم يكن من تقديسه ، إلا أنه اختاره لمناجاته ، كليمه موسى ، لكفى . وقد قال كثير من المفسرين : ( إن الله أمره أن يلقي نعليه ، لأنهما من جلد حمار ) فالله أعلم بذلك . * ( وأنا اخترتك ) * أي : تخيرتك واصطفيتك من الناس ، وهذه أكبر نعمة ومنة أنعم الله بها عليه ، تقتضي من الشكر ، ما يليق بها ، ولهذا قال : * ( فاستمع لما يوحى ) * أي : ألق سمعك للذي أوحى إليك فإنه حقيق بذلك ، لأنه أصل الدين ومبدأه ، وعماد الدعوة الإسلامية . ثم بين الذي يوحيه إليه بقول : * ( إنني أنا الله لا إله إلا أنا ) * أي : الله المستحق الألوهية المتصف بها ، لأنه الكامل في أسمائه ، وصفاته ، المنفرد بأفعاله ، الذي لا شريك له ، ولا مثيل ، ولا كفو ولا سمي . * ( فاعبدني ) * بجميع أنواع العبادة ، ظاهرها وباطنها ، أصولها وفروعها ، ثم خص الصلاة بالذكر وإن كانت داخلة في العبادة ، لفضلها وشرفها ، وتضمنها عبودية القلب ، واللسان ، والجوارح . وقوله : * ( لذكرى ) * اللام للتعليل أي : أقم الصلاة لأجل ذكرك إياي ، لأن ذكره تعالى ، أجل المقاصد ، وبه عبودية القلب ، وبه سعادته ، فالقلب المعطل عن ذكر الله ، معطل عن كل خير ، وقد خرب كل الخراب ، فشرع الله للعباد ، أنواع العبادات ، التي ، المقصود منها ، إقامة ذكره وخصوصا ، الصلاة . قال تعالى : * ( أتل ما أوحي إليك من الكتاب وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر ) * ، أي : ما فيها من ذكر الله أكبر من نهيها عن الفحشاء والمنكر ، وهذا النوع يقال له توحيد الإلهية ، وتوحيد العبادة ، فالألوهية ، وصفه تعالى ، والعبودية ، وصف عبده . * ( إن الساعة آتية ) * أي : لا بد من وقوعها * ( أكاد أخفيها ) * ، أي : عن نفسي كما في بعض القراءات ، كقوله تعالى : * ( يسألونك عن الساعة قل إنما علمها عند الله ) * وقال : * ( وعنده علم الساعة ) * ، فعلمها ، قد أخفاه عن الخلائق كلهم ، فلا يعلمها ملك مقرب ، ولا نبي مرسل . والحكمة في إتيان الساعة * ( لتجزى كل نفس بما تسعى ) * من الخير والشر ، فهي الباب لدار الجزاء * ( ليجزي الذين أساؤوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى ) * . * ( فلا يصدنك عنها من لا يؤمن بها واتبع هواه فتردى ) * أي : فلا يصدنك ويشغلك عن الإيمان بالساعة ، والجزاء ، والعمل لذلك ، من كان كافرا بها ، غير معتقد لوقوعها . يسعى في الشك فيها ، والتشكيك ، ويجادل فيها ، بالباطل ، ويقيم من الشبه ، ما يقدر عليه ، متبعا في ذلك هواه ، ليس قصده الوصول إلى الحق ، وإنما قصاراه ، اتباع هواه ، فإياك أن تصغي إلى من هذه حاله ، أو تقبل شيئا ، من أقواله وأعماله الصادة عن الإيمان بها والسعي لها سعيها ، وإنما حذر الله تعالى عمن هذه حاله ، لأنه من أخوف ما يكون على المؤمن بوسوسته وتدجيله ، وكون النفوس مجبولة على التشبه ، والاقتداء بأبناء الجنس ، وفي هذا تنبيه وإشارة إلى التحذير ، عن كل داع إلى باطل ، يصد عن الإيمان الواجب ، أو عن كماله ، أو يوقع الشبهة في القلب ، وعن النظر في الكتب ، المشتملة على ذلك ، وذكر في هذا ، الإيمان به ، وعبادته ، والإيمان باليوم الآخر ، لأن هذه الأمور الثلاثة ، أصول الإيمان ، وركن الدين ، وإذا تمت تم أمر الدين ، ونقصه أو فقده بنقصها ، أو نقص شيء منها . وهذه نظير قوله تعالى في الإخبار عن ميزان سعادة الفرق ، الذين أوتوا الكتاب وشقاوتهم * ( إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون والنصارى من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون ) * . وقوله : * ( فتردى ) * أي : تهلك وتشقى ، إن اتبعت طريق من يصد