عبد الرحمن بن ناصر السعدي
490
تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان
من بعده ، واشتكى أن امرأته عاقرا ، أي : ليست تلد أصلا ، وأنه قد بلغ من الكبر عتيا ، أي : عمرا يندر معه وجود الشهوة والولد . * ( فهب لي من لدنك وليا ) * وهذه الولاية ، ولاية الدين ، وميراث النبوة والعلم والعمل . ولهذا قال : * ( يرثني ويرث من آل يعقوب واجعله رب رضيا ) * أي : عبدا صالحا ترضاه ، وتحببه إلى عبادك ، والحاصل أنه سأل الله ولدا ، ذكرا ، صالحا ، يبقى بعد موته ، ويكون وليا من بعده ، ويكون نبيا مرضيا عند الله وعند خلقه ، وهذا أفضل ما يكون من الأولاد ، ومن رحمة الله بعبده ، أن يرزقه ولدا صالحا ، جامعا لمكارم الأخلاق ، ومحامد الشيم . * ( يزكريآ إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى لم نجعل له من قبل سميا * قال رب أنى يكون لي غلام وكانت امرأتي عاقرا وقد بلغت من الكبر عتيا * قال كذلك قال ربك هو علي هين وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا * قال رب اجعل لي آية قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاث ليال سويا * فخرج على قومه من المحراب فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا ) * فرحمه ربه ، واستجاب دعوته فقال : * ( يا زكريا ) * إلى * ( وعشيا ) * ، أي : بشره الله تعالى على يد الملائكة ب ( يحيى ) وسماه الله له ( يحيى ) ، وكان اسما موافقا لمسماه : يحيا حياة حسية ، فتتم به المنة ، ويحيا حياة معنوية ، وهي حياة القلب والروح ، بالوحي والعلم والدين . * ( لم نجعل له من قبل سميا ) * أي : لم يسم هذا الاسم قبله أحد ، ويحتمل أن المعنى : لم نجعل له من قبل مثيلا ومساميا ، فيكون ، بشارة بكماله ، واتصافه بالصفات الحميدة ، وأنه فاق من قبله ، ولكن على هذا الاحتمال هذا العموم ، لا بد أن يكون مخصوصا بإبراهيم ، وموسى ، ونوح عليهم الصلاة والسلام ، ونحوهم ، ممن هو أفضل من يحيى قطعا ، فحينئذ لما جاءته البشارة بهذا المولود ، الذي طلبه ، استغرب وتعجب وقال : * ( رب أنى يكون لي غلام ) * والحال أن المانع من وجود الولد ، موجود بي وبزوجتي ؟ وكأنه وقت دعائه ، لم يستحضر هذا المانع ، لقوة الوارد في قلبه ، وشدة الحرص العظيم على الولد . وفي هذه الحال ، حين قبلت دعوته ، تعجب من ذلك ، فأجابه الله بقوله : * ( كذلك قال ربك هو علي هين ) * أي : الأمر مستغرب في العادة ، وفي سنة الله في الخليقة ، ولكن قدرة الله تعالى صالحة لإيجاده بدون أسبابها فذلك هين عليه ، ليس بأصعب من إيجاده قبل ، ولم يكن شيئا . * ( قال رب اجعل لي آية ) * أي : يطمئن بها قلبي ، وليس هذا شكا في خبر الله ، وإنما هو ، كما قال الخليل عليه السلام * ( رب أرني كيف تحيي الموتى قال أو لم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي ) * فطلب زيادة العلم ، والوصول إلى عين اليقين بعد علم اليقين ، فأجابه الله إلى طلبته ، رحمة به . * ( قال آيتك أن لا تكلم الناس ثلاث ليال سويا ) * وفي الآية الأخرى * ( ثلاثة أيام إلا رمزا ) * ، والمعنى واحد ، لأنه تارة يعبر بالليالي ، وتارة بالأيام ومؤداها واحد ، وهذا من الآيات العجيبة ، فإن منعه من الكلام مدة ثلاثة أيام ، وعجزه عنه من غير خرس ولا آفة ، بل كان سويا ، لا نقص فيه من الأدلة على قدرة الله الخارقة للعوائد ومع هذا ، ممنوع من الكلام ، الذي يتعلق بالآدميين وخطابهم ، وأما التسبيح ، والذكر ونحوه ، فغير ممنوع منه ، ولهذا قال في الآية الأخرى : * ( واذكر ربك كثيرا وسبح بالعشي والإبكار ) * ، فاطمأن قلبه ، واستبشر بهذه البشارة العظيمة ، وامتثل لأمر الله له ، بالشكر ، بعبادته وذكره ، فعكف في محرابه ، وخرج على قومه منه ، فأوحى إليهم ، أي : بالإشارة والرمز * ( أن سبحوا بكرة وعشيا ) * لأن البشارة ب ( يحيى ) في حق الجميع ، مصلحة دينية . * ( ييحيى خذ الكتاب بقوة وآتيناه الحكم صبيا * وحنانا من لدنا وزكاة وكان تقيا * وبرا بوالديه ولم يكن جبارا عصيا * وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا ) * دل الكلام السابق ، على ولادة يحيى ، وشبابه ، وتربيته ، فلما وصل إلى حالة يفهم فيها الخطاب ، أمره الله أن يأخذ الكتاب بقوة ، أي : بجد واجتهاد ، وذلك بالاجتهاد في حفظ ألفاظه ، وفهم معانيه ، والعمل بأوامره ونواهيه ، هذا تمام أخذ الكتاب بقوة ، فامتثل أمر ربه ، وأقبل على الكتاب ، فحفظه وفهمه ، وجعل الله فيه من الذكاء والفطنة ، ما لا يوجد في غيره ولهذا قال : * ( وآتيناه الحكم صبيا ) * . * ( و ) * آتيناه أيضا * ( حنانا من لدنا ) * أي : رحمة ورأفة ، تيسرت بها أموره ، وصلحت بها أحواله ، واستقامت بها أفعاله . * ( وزكاة ) * أي : طهارة من الآفات والذنوب ، فطهر قلبه ، وتزكى عقله ، وذلك يتضمن زوال الأوصاف المذمومة ، والأخلاق الرديئة ، وزيادة الأخلاق الحسنة ، والأوصاف المحمودة ، ولهذا قال : * ( وكان تقيا ) * أي : فاعلا للمأمور ، تاركا للمحظور ، ومن كان مؤمنا تقيا ، كان لله وليا ، وكان من أهل الجنة ، التي أعدت للمتقين ، وحصل له من الثواب الدنيوي والأخروي ، ما رتبه الله على التقوى . * ( و ) * كان أيضا * ( برا بوالديه ) * أي :