عبد الرحمن بن ناصر السعدي

491

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان

لم يكن عاقا ، ولا مسيئا إلى أبويه ، بل كان محسنا إليهما بالقول والفعل . * ( ولم يكن جبارا عصيا ) * أي : لم يكن متجبرا متكبرا عن عبادة الله ، ولا مترفعا على عباد الله ، ولا على والديه . فجمع بين القيام بحق الله ، وحق خلقه ، ولهذا حصلت له السلامة من الله ، في جميع أحواله ، مبادئها وعواقبها . فلذا قال : * ( وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا ) * وذلك يقتضي سلامته من الشيطان ، والشر ، والعقاب في هذه الأحوال الثلاثة وما بينها ، وأنه سالم من النار والأهوال ، ومن أهل دار السلام ، فصلوات الله وسلامه عليه ، وعلى والده ، وعلى سائر المرسلين ، وجعلنا من أتباعهم ، إنه جواد كريم . * ( واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها مكانا شرقيا * فاتخذت من دونهم حجابا فأرسلنآ إليهآ روحنا فتمثل لها بشرا سويا * قالت إني أعوذ بالرحم ن منك إن كنت تقيا * قال إنما أنا رسول ربك لاهب لك غلاما زكيا * قالت أنى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر ولم أك بغيا * قال كذلك قال ربك هو علي هين ولنجعله آية للناس ورحمة منا وكان أمرا مقضيا ) * لما ذكر قصة زكريا ويحيى ، وكانت من الآيات العجيبة ، انتقل ، منها إلى ما هو أعجب منها ، تدريجا من الأدنى إلى الأعلى فقال : * ( واذكر في الكتاب ) * الكريم * ( مريم ) * عليها السلام ، وهذا من أعظم فضائلها ، أن تذكر في الكتاب العظيم ، الذي يتلوه المسلمون ، في مشارق الأرض ومغاربها ، تذكر فيه بأحسن الذكر ، وأفضل الثناء ، جزاء لعملها الفاضل ، وسعيها الكامل ، أي : واذكر في الكتاب مريم ، في حالها الحسنة ، حين * ( انتبذت ) * أي : تباعدت عن أهلها * ( مكانا شرقيا ) * أي : مما يلي الشرق عنهم . * ( فاتخذت من دونهم حجابا ) * أي : سترا ومانعا ، وهذا التباعد منها ، واتخاذ الحجاب ، لتعتزل ، وتنفرد بعبادة ربها ، وتقنت له في حالة الإخلاص والخضوع ، والذل لله تعالى ، وذلك امتثال منها لقوله تعالى : * ( وإذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين ) * . * ( فأرسلنا إليها روحنا ) * وهو : جبريل عليه السلام * ( فتمثل لها بشرا سويا ) * أي : كاملا من الرجال ، في صورة جميلة ، وهيئة حسنة ، لا عيب فيه ولا نقص ، لكونها لا تحتمل رؤيته على ما هو عليه ، فلما رأته في هذه الحال ، وهي معتزلة عن أهلها ، منفردة عن الناس ، قد اتخذت الحجاب عن أعز الناس عليها ، وهم أهلها ، خافت أن يكون رجلا قد تعرض لها بسوء ، وطمع فيها ، فاعتصمت بربها ، واستعاذت منه فقالت له : * ( إني أعوذ بالرحمن منك ) * أي : ألتجىء به وأعتصم برحمته ، أن تنالني بسوء . * ( إن كنت تقيا ) * أي : إن كنت تخاف الله ، وتعمل بتقواه ، فاترك التعرض لي ، فجمعت بين الاعتصام بربها ، وبين تخويفه وترهيبه ، وأمره بلزوم التقوى ، وهي في تلك الحالة الخالية ، والشباب ، والبعد عن الناس ، وهو في ذلك الجمال الباهر ، والبشرية الكاملة السوية ، ولم ينطق لها بسوء ، أو يتعرض لها ، وإنما ذلك خوف منها ، وهذا أبلغ ما يكون من العفة ، والبعد عن الشر وأسبابه . وهذه العفة خصوصا مع اجتماع الدواعي ، وعدم المانع من أفضل الأعمال . ولذلك أثنى الله عليها فقال : * ( ومريم ابنة عمران التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا ) * ، * ( والتي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا وجعلناها وابنها آية للعالمين ) * . فأعاضها الله بعفتها ، ولدا من آيات الله ، ورسولا من رسله ، فلما رأى جبريل منها الروع والخيفة ، قال : * ( إنما أنا رسول ربك ) * أي : إنما وظيفتي وشغلي ، تنيفذ رسالة ربي فيك * ( لأهب لك غلاما زكيا ) * ، وهذه بشارة عظيمة بالولد وزكائه ، فإن الزكاء ، يستلزم تطهيره من الخصال الذميمة ، واتصافه بالخصال الحميدة ، فتعجبت من وجود الولد من غير أب فقالت : * ( أنى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر ولم أك بغيا ) * والولد لا يوجد إلا بذلك ؟ ! ! * ( قال كذلك قال ربك هو علي هين ولنجعله آية للناس ) * تدل على قدرة الله تعالى ، وعلى أن الأسباب جميعها ، لا تستقل بالتأثير ، وإنما تأثيرها بتقدير الله . فيري عباده خرق العوائد في بعض الأسباب العادية ، لئلا يقفوا مع الأسباب ، ويقطعوا النظر عن مقدرها ومسببها * ( ورحمة منا ) * ولنجعله رحمة منا به ، وبوالدته ، وبالناس . أما رحمة الله به ، فلما خصه الله بوحيه ومن عليه بما من به على أولي العزم . وأما رحمته بوالدته ، فلما حصل لها من الفخر ، والثناء الحسن ، والمنافع العظيمة . وأما رحمته بالناس ، فإن أكبر نعمه عليهم ، أن بعث فيهم رسولا ، يتلو عليهم آياته ، ويزكيهم ، ويعلمهم الكتاب والحكمة ، فيؤمنون به ، ويطيعونه ، وتحصل لهم سعادة الدنيا والآخرة . * ( وكان ) * أي : وجود عيسى عليه السلام على هذه الحالة * ( أمرا مقضيا ) * قضاء سابقا ، فلا بد من نفوذ هذا التقدير والقضاء ، فنفخ جبريل عليه السلام في جيبها .