عبد الرحمن بن ناصر السعدي
479
تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان
تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين ؟ ) ، فبهذا يعرف توفيق العبد من خذلانه ، وربحه من خسرانه . ولهذا أخبر تعالى ، أن المال والبنين ، زينة الحياة الدنيا ، أي : ليس وراء ذلك شيء ، وأن الذي يبقى للإنسان وينفعه ويسره ، الباقيات الصالحات . وهذا يشمل جميع الطاعات ، الواجبة ، والمستحبة ، من حقوق الله ، وحقوق عباده ، من صلاة ، وزكاة ، وصدقة ، وحج ، وعمرة ، وتسبيح ، وتحميد ، وتهليل ، وقراءة ، وطلب علم نافع ، وأمر بمعروف ، ونهي عن منكر ، وصلة رحم ، وبر الوالدين ، وقيام بحق الزوجات ، والمماليك ، والبهائم ، وجميع وجوه الإحسان إلى الخلق ، كل هذا من الباقيات الصالحات ، فهذه خير عند الله ثوابا وخير أملا ، فثوابها يبقى ، ويتضاعف على الآباد ، ويؤمل أجرها وبرها ونفعها ، عند الحاجة ، فهذه التي ينبغي أن يتنافس بها المتنافسون ، ويستبق إليها العاملون ، ويجد في تحصيلها المجتهدون . وتأمل ، كيف لما ضرب الله مثل الدنيا وحالها واضمحلالها ، ذكر أن الذي فيها نوعان : نوع من زينتها ، يتمتع به قليلا ، ثم يزول بلا فائدة تعود لصاحبه ، بل ربما لحقته مضرته وهو المال والبنون . ونوع يبقى لصاحبه على الدوام ، وهي : الباقيات الصالحات . * ( ويوم نسير الجبال وترى الأرض بارزة وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا * وعرضوا على ربك صفا لقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة بل زعمتم أن لن نجعل لكم موعدا * ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون يويلتنا ما له ذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا ) * يخبر تعالى عن حال يوم القيامة ، وما فيه من الأهوال المقلقة ، والشدائد المزعجة فقال : * ( ويوم نسير الجبال ) * أي : يزيلها عن أماكنها ، يجعلها كثيبا ، ثم يجعلها كالعهن المنفوش ثم تضمحل وتتلاشى ، وتكون هباء منبثا ، وتبرز الأرض ، فتصير قاعا صفصفا ، لا عوج فيه ولا أمتا . ويحشر الله جميع الخلق ، على تلك الأرض ، فلا يغادر منهم أحدا . بل يجمع الأولين والآخرين ، من بطون الفلوات ، وفغور البحار ، ويجمعهم بعدما تفرقوا ، ويعيدهم ، بعد ما تمزقوا ، خلقا جديدا ، فيعرضون عليه صفا ، ليستعرضهم ، وينظر في أعمالهم ، ويحكم فيهم ، بحكمه العدل ، الذي لا جور فيه ولا ظلم ، ويقول لهم : * ( لقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة ) * أي : بلا مال ، ولا أهل ، ولا عشيرة ، ما معهم إلا الأعمال ، التي عملوها ، والمكاسب في الخير والشر ، التي كسبوها . كما قال تعالى : * ( ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء ) * . وقال هنا ، مخاطبا للمنكرين للبعث ، وقد شاهدوه عيانا : * ( بل زعمتم أن لن نجعل لكم موعدا ) * أي : أنكرتم الجزاء عن الأعمال ، ووعد الله ، ووعيده فيها ، قد رأيتموه وذقتموه ، فحينئذ تحضر كتب الأعمال التي كتبها الملائكة الأبرار ، فتطير لها القلوب ، وتعظم من وقعها ، الكروب ، وتكاد لها الصم الصلاب تذوب ، ويشفق منها المجرمون ، فإذا رأوها مسطرة عليهم أعمالهم ، محصى عليهم أقوالهم وأفعالهم ، قالوا : * ( يا ويلتنا مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ) * أي : لا يترك خطيئة ، صغيرة ولا كبيرة ، إلا وهي مكتوبة فيه ، محفوظة لم ينس منها عمل سر ولا علانية ، ولا ليل ولا نهار . * ( ووجدوا ما عملوا حاضرا ) * لا يقدرون على إنكاره * ( ولا يظلم ربك أحدا ) * ، فحينئذ يجازون بها ، ويقررون بها ، ويخزون ، ويحق عليهم العذاب ، * ( ذلك بما قدمت أيديهم وأن الله ليس بظلام للعبيد ) * بل هم غير خارجين عن عدله وفضله . * ( وإذا قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلا ) * يخبر الله تعالى ، عن عداوة إبليس لآدم وذريته ، وأن الله أمر الملائكة بالسجود لآدم ، إكراما وتعظيما ، وامتثالا لأمر الله ، فامتثلوا ذلك * ( إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه ) * وقال : * ( أأسجد لمن خلقت طينا ) * وقال : * ( أنا خير منه ) * ، فتبين بهذا ، عداوته لله ولأبيكم ، فكيف تتخذونه وذريته أي : الشياطين * ( أولياء من دوني وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلا ) * ، أي : بئس ما اختاروا لأنفسهم من ولاية الشيطان ، الذي لا يأمرهم إلا بالفحشاء والمنكر عن ولاية الرحمن ، الذي كل السعادة والفلاح والسرور في ولايته . وفي هذه الآية ، الحث على اتخاذ الشيطان عدوا ، والإغراء بذلك ، وذكر السبب الموجب لذلك ، وأنه لا يفعل ذلك إلا ظالم ، وأي ظلم ، أعظم من ظلم من اتخذه عدوه الحقيقي ، وليا ، وترك الولي الحميد ؟ ! !