عبد الرحمن بن ناصر السعدي
480
تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان
قال تعالى : * ( الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات ) * . وقال تعالى : * ( إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله ) * . * ( ما أشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم وما كنت متخذ المضلين عضدا ويوم يقول نادوا شركائي الذين زعمتم فدعوهم فلم يستجيبوا لهم وجعلنا بينهم موبقا ) * يقول تعالى : ما أشهدت الشياطين وهؤلاء المضلين ، * ( خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم ) * ، أي : ما أحضرتهم ذلك ، ولا شاورتهم عليه ، فكيف يكونون خالقين لشيء من ذلك ؟ ! بل المنفرد بالخلق والتدبير ، والحكمة والتقدير ، هو الله ، خالق الأشياء كلها ، المتصرف فيها بحكمته ، فكيف يجعل له شركاء من الشياطين ، يوالون ويطاعون ، كما يطاع الله ، وهم لم يخلقوا ، ولم يشهدوا خلقا ، ولم يعاونوا الله تعالى ؟ ولهذا قال : * ( وما كنت متخذ المضلين عضدا ) * أي : معاونين ، مظاهرين لله على شأن من الشؤون ، أي : ما ينبغي ، ولا يليق بالله ، أن يجعل لهم قسطا من التدبير ، لأنهم ساعون في إضلال الخلق والعداوة لربهم ، فاللائق ، أن يقصيهم ولا يدنيهم . ولما ذكر حال من أشرك به في الدنيا ، وأبطل هذا الشرك غاية الإبطال ، وحكم بجهل صاحبه وسفهه ، أخبر عن حالهم مع شركائهم يوم القيامة ، وأن الله يقول لهم : * ( نادوا شركائي ) * بزعمكم أي : على موجب زعمكم الفاسد ، وإلا ، فالحقيقة ، ليس لله شريك في الأرض ولا في السماء ، أي : نادوهم ، لينفعوكم ، ويخلصوكم من الشدائد ، * ( فدعوهم فلم يستجيبوا لهم ) * لأن الحكم والملك يومئذ لله ، لا أحد يملك مثقال ذرة من النفع لنفسه ، ولا لغيره . * ( وجعلنا بينهم ) * أي : بين المشركين وشركائهم * ( موبقا ) * أي : مهلكا ، يفرق بينهم وبينهم ، ويبعد بعضهم من بعض ، ويتبين حينئذ ، عداوة الشركاء لشركائهم ، وكفرهم بهم ، وتبريهم منهم ، كما قال تعالى : * ( وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين ) * . * ( ورأى المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعوها ولم يجدوا عنها مصرفا ) * أي : لما كان يوم القيامة وحصل من الحساب ما حصل ، وتميز كل فريق من الخلق بأعمالهم ، وحقت كلمة العذاب على المجرمين ، فرأوا جهنم قبل دخولها ، فانزعجوا ، واشتد قلقهم ، لظنهم أنهم مواقعوها ، وهذا الظن قال المفسرون : إنه بمعنى اليقين ، فأيقنوا أنهم داخلوها * ( ولم يجدوا عنها مصرفا ) * أي : معدلا يعدلون إليه ، ولا شافع لهم من دون إذنه ، وفي هذا من التخويف والترهيب ، ما ترعد له الأفئدة والقلوب . * ( ولقد صرفنا في ه ذا القرآن للناس من كل مثل وكان الإنسان أكثر شيء جدلا ) * يخبر الله تعالى ، عن عظمة القرآن وجلالته وعمومه وأنه صرف فيه من كل مثل ، أي : من كل طريق موصل إلى العلوم النافعة ، والسعادة الأبدية ، وكل طريق يعصم من الشر والهلاك ، ففيه أمثال الحلال والحرام ، وجزاء الأعمال ، والترغيب والترهيب ، والأخبار الصادقة النافعة للقلوب ، اعتقادا وطمأنينة ، ونورا ، وهذا مما يوجب التسليم لهذا القرآن وتلقيه بالانقياد والطاعة ، وعدم المنازعة له ، في أمر من الأمور ، ومع ذلك ، كان كثير من الناس ، يجادلون في الحق ، بعد ما تبين ، ويجادلون بالباطل * ( ليدحضوا به الحق ) * ولهذا قال : * ( وكان الإنسان أكثر شيء جدلا ) * أي : مجادلة ومنازعة فيه ، مع أن ذلك ، غير لائق بهم ، ولا عدل منهم ، والذي أوجب له ذلك ، وعدم الإيمان بالله ، إنما هو الظلم والعناد ، لا لقصور في بيانه وحجته ، وبرهانه ، وإلا ، فلو جاءهم العذاب ، وجاءهم ما جاء قبلهم ، لم تكن هذه حالهم ، ولهذا قال : * ( وما منع الناس ) * إلى * ( قبلا ) * . * ( وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى ويستغفروا ربهم إلا أن تأتيهم سنة الأولين أو يأتيهم العذاب قبلا ) * أي : ما منع الناس من الإيمان ، والحال أن الهدى الذي يحصل به الفرق ، بين الهدى والضلال ، والحق والباطل ، قد وصل إليهم ، وقامت عليهم حجة الله ، فلم يمنعهم عدم البيان ، بل منعهم الظلم والعدوان ، عن الإيمان ، فلم يبق إلا أن تأتيهم سنة الله ، وعادته في الأولين من أنهم إذا لم يؤمنوا ، عوجلوا بالعذاب ، أو يرون العذاب قد أقبل عليهم ، ورأوه مقابلة ومعاينة ، أي : فليخافوا من ذلك ، وليتوبوا من كفرهم ، قبل أن يكون العذاب الذي لا مرد له . * ( وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين ويجادل الذين كفروا بالباطل ليدحضوا به الحق واتخذوا آياتي وما أنذروا هزوا ) * أي : لم نرسل الرسل عبثا ، ولا ليتخذهم الناس أربابا ، ولا ليدعوا إلى أنفسهم ، بل أرسلناهم يدعون الناس إلى كل خير ، وينهون عن كل شر ، ويبشرونهم على امتثال ذلك ، بالثواب العاجل ، والآجل ، وينذرونهم على معصية ذلك ، بالعقاب العاجل ، والآجل ، فقامت بذلك حجة الله على العباد ، ومع ذلك يأبى الظالمون الكافرون ، إلا المجادلة بالباطل ، ليدحضوا به الحق ، فسعوا في نصر الباطل ، مهما أمكنهم ، وفي إدحاض الحق وإبطاله ، واستهزؤوا برسل الله وآياته ، وفرحوا بما عندهم من العلم ، ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون ، ويظهر الحق على الباطل * ( بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ) * ، ومن حكمة الله ورحمته ، أن تقييضه المبطلين المجادلين الحق بالباطل ، من أعظم الأسباب إلى وضوح الحق وتبين شواهده وأدلته ، وتبين الباطل وفساده ، فبضدها تتبين الأشياء . * ( ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه فأعرض عنها ونسي ما