عبد الرحمن بن ناصر السعدي
444
تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان
) * أي : * ( إن لكم في الأنعام ) * التي سخرها الله لمنافعكم * ( لعبرة ) * تستدلون بها على كمال قدرة الله ، وسعة إحسانه ، حيث أسقاكم من بطونها المشتملة على الفرث والدم ، فأخرج من بين ذلك ، لبنا خالصا من الكدر سائغا للشاربين ، للذته ، ولأنه يسقي ويغذي ، فهل هذه إلا قدرة ، إلهية ، لا أمور طبيعية . فأي شيء في الطبيعة ، يقلب العلف الذي تأكله البهيمة ، والشراب الذي تشربه من الماء العذب والملح ، لبنا خالصا سائغا للشاربين ؟ وجعل تعالى لعباده من ثمرات النخيل والأعناب ، منافع للعباد ، ومصالح ، من أنواع الرزق الحسن ، الذي يأكله العباد ، طريا ونضيجا ، وحاضرا ، ومدخرا ، وطعاما وشرابا يتخذ من عصيرها ونبيذها ، ومن السكر الذي كان حلالا قبل ذلك ، ثم إن الله نسخ حل المسكرات ، وأعاض عنها بالطيبات من الأنبذة ، وأنوع الأشربة اللذيذة المباحة ولهذا قال من قال : ( إن المراد بالسكر هنا : الطعام والشراب اللذيذ ) وهو أولى من القول الأول . * ( إن في ذلك لآية لقوم يعقلون ) * عن الله كمال اقتداره ، حيث أخرجها من أشجار شبيهة بالحطب ، فصارت ثمرة لذيذة وفاكهة طيبة ، وعلى شمول رحمته ، حيث عم بها عباده ويسرها لهم ، وأنه الإله المعبود وحده ، حيث إنه المنفرد بذلك . * ( وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون * ثم كلي من كل الثمرات فاسلكي سبل ربك ذللا يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون ) * في خلق هذه النحلة الصغيرة ، التي هداها الله هذه الهداية العجيبة ، ويسر لها المراعي ، ثم الرجوع إلى بيوتها ، التي أصلحتها ، بتعليم الله لها وهدايته لها ثم يخرج من بطونها هذا العسل اللذيذ مختلف الألوان ، بحسب اختلاف أرضها ومراعيها ، فيه شفاء للناس من أمراض عديدة . فهذا دليل على كمال عناية الله تعالى ، وتمام لطفه بعباده ، وأنه الذي لا ينبغي أن يحب غيره ويدعى سواه . * ( والله خلقكم ثم يتوفاكم ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكي لا يعلم بعد علم شيئا إن الله عليم قدير ) * يخبر تعالى ، أنه الذي خلق العباد ، ونقلهم في الخلقية ، طورا بعد طور ، ثم بعد أن يستكملوا آجالهم ، يتوفاهم ، ومنهم من يعمره حتى * ( يرد إلى أرذل العمر ) * أي : أخسه الذي يبلغ به الإنسان إلى ضعف القوى الظاهرة والباطنة ، حتى العقل ، الذي هو جوهر الإنسان ، يزيد ضعفه حتى إنه ينسى ما كان يعلمه ، ويصير عقله كعقل الطفل ولهذا قال : * ( لكيلا يعلم بعد علم شيئا ، إن الله عليم قدير ) * أي : قد أحاط علمه وقدرته بجميع الأشياء ، ومن ذلك ، ما ينقل به الآدمي من أطوار الخلقة ، خلقا بعد خلق ، كما قال تعالى : * ( الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة يخلق ما يشاء وهو العليم القدير ) * . * ( والله فضل بعضكم على بعض في الرزق فما الذين فضلوا برآدي رزقهم على ما ملكت أيمانهم فهم فيه سواء أفبنعمة الله يجحدون ) * هذا من أدلة توحيده ، وقبح الشرك به ، يقول تعالى : كما أنكم مشتركون بأنكم مخلوقون مرزوقون ، إلا أنه تعالى * ( فضل بعضكم على بعض في الرزق ) * فجعل منكم أحرارا ، لهم مال وثروة ، ومنكم أرقاء لهم ، لا يملكون شيئا من الدنيا ، فكما أن سادتهم الذين فضلهم الله عليهم بالرزق ليسوا * ( برادي رزقهم على ما ملكت أيمانهم فهم فيه سواء ) * ويرون هذا من الأمور الممتنعة ، فكذلك من أشركتم بها مع الله ، فإنها عبيد ، ليس لها من الملك ، مثقال ذرة ، فكيف تجعلونها شركاء لله تعالى ؟ هل هذا ، إلا من أعظم الظلم ، والجحود لنعم الله ؟ ! ! ولهذا قال : * ( أفبنعمة الله يجحدون ) * فلو أقروا بالنعمة ونسبوها إلى من أولاها ، لما أشركوا به أحدا . * ( والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة ورزقكم من الطيبات أفبالباطل يؤمنون وبنعمة الله هم يكفرون ) * يخبر تعالى ، عن منته العظيمة على عباده ، حيث جعل لهم أزواجا ، ليسكنوا إليها ، وجعل لهم من أزواجهم ، أولادا تقر بهم أعينهم ويخدمونهم ، ويقضون حوائجهم ، وينتفعون بهم من وجوه كثيرة ، ورزقهم من الطيبات ، من المآكل ، والمشارب ، والنعم الظاهرة ، التي لا يقدر العباد أن يحصوها . * ( أفبالباطل يؤمنون وبنعمة الله هم يكفرون ) * أي : أيؤمنون بالباطل ، الذي لم يكن شيئا مذكورا ، ثم أوجده الله ، وليس له من وجوده سوى العدم ، فلا تخلق ، ولا ترزق ، ولا تدبر من الأمور شيئا ، وهذا عام لكل ما عبد من دون الله ، فإنها باطلة ، فكيف يتخذها المشركون من دون الله ؟ * ( وبنعمة الله هم يكفرون ) * يجحدونها ، ويستعينون بها على معاصي الله والكفر به ، هل هذا إلا من أظلم الظلم ، وأفجر الفجور ، وأسفه السفه ؟ ! ! * ( ويعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقا من السماوات والأرض شيئا ولا يستطيعون * فلا تضربوا لله الأمثال إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون * ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء ومن رزقناه منا رزقا حسنا فهو ينفق منه سرا وجهرا هل يستوون الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون * وضرب الله مثلا رجلين أحدهمآ أبكم لا يقدر على شيء وهو كل على مولاه أينما يوجهه