عبد الرحمن بن ناصر السعدي
445
تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان
لا يأت بخير هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم ) * يخبر تعالى ، عن جهل المشركين وظلمهم ، أنهم يعبدون من دونه آلهة ، اتخذوها شركاء لله ، والحال أنهم لا يملكون لهم رزقا ، من السماوات والأرض ، فلا ينزلون مطرا ، ولا رزقا ، ولا ينبتون من نبات الأرض شيئا ، ولا يملكون مثقال ذرة في السماوات والأرض ، ولا يستطيعون لو أرادوا ، فإن غير المالك للشيء ، ربما كان له قوة واقتدار على ما ينفع من يتصل به ، وهؤلاء لا يملكون ولا يقدرون . فهذه صفة آلهتهم . كيف جعلوها مع الله ، وشبهوها بمالك الأرض والسماوات ، الذي له الملك كله ، والحمد كله ، والقوة كلها ؟ ! ! ولهذا قال : * ( فلا تضربوا لله الأمثال ) * المتضمنة للتسوية بينه وبين خلقه ، * ( إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون ) * فعلينا أن لا نقول عليه بلا علم ، وأن نسمع ما ضربه العليم من الأمثال ، فلهذا ضرب تعالى مثلين له ولمن يعبد من دونه ، أحدهما عبد مملوك ، أي : رقيق لا يملك نفسه ، ولا يملك من المال والدنيا شيئا ، والثاني حر غني قد رزقه الله منه رزقا حسنا ، من جميع أصناف المال وهو كريم محب للإحسان ، فهو ينفق منه سرا وجهرا ، هل يستوي هذا وذاك ؟ ! لا يستويان ، مع أنهما مخلوقان ، وغير محال استواؤهما . فإذا كانا لا يستويان ، فكيف يستوي المخلوق والعبد ، الذي ليس له ملك ولا قدرة ، ولا استطاعه بل هو فقير من جميع الوجوه ، بالرب المالك لجميع الممالك ، القادر على كل شيء ؟ ! ! ولهذا حمد نفسه ، واختص بالحمد بأنواعه ، فقال : * ( الحمد لله ) * ، فكأنه قيل : إذا كان الأمر كذلك فلم سوى المشركون آلهتهم بالله ؟ قال : * ( بل أكثرهم لا يعلمون ) * فلو علموا حقيقة العلم ، لم يتجرؤوا على الشرك العظيم . والمثل الثاني مثل * ( رجلين أحدهما أبكم ) * لا يسمع ولا ينطق * ( لا يقدر على شيء ) * لا قليل ولا كثير * ( وهو كل على مولاه ) * أي : يخدمه مولاه ، ولا يستطيع هو أن يخدم نفسه ، فهو ناقص من كل وجه ، هل يستوي هو ، ومن يأمر بالعدل ، وهو على صراط مستقيم ، فأقواله عدل ، وأفعاله مستقيمة ، فكما أنهما لا يستويان ، فلا يستوي من عبد من دون الله ، وهو لا يقدر على شيء من مصالحه ، فلولا قيام الله بها ، لم يستطع شيئا منها ، ولا يكون كفوا ، ولا ندا ، لمن لا يقول إلا الحق ، ولا يفعل إلا ما يحمد عليه . * ( ولله غيب السماوات والأرض ومآ أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب إن الله على كل شيء قدير ) * أي : هو تعالى المنفرد بغيب السماوات والأرض ، فلا يعلم الخفايا والبواطن ، والأسرار إلا هو ، ومن ذلك ، علم الساعة ، فلا يدري أحد متى تأتي ، إلا الله ، فإذا جاءت وتجلت ، لم تكن * ( إلا كلمح البصر أو هو أقرب ) * من ذلك فيقوم الناس من قبورهم إلى يوم بعثهم ونشورهم ، وتفوت الفرص لمن يريد الإمهال ، * ( إن الله على كل شيء قدير ) * فلا يستغرب على قدرته الشاملة ، إحياؤه للموتى . * ( والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون ) * أي : هو المنفرد بهذه النعم حيث * ( أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا ) * ولا تقدورن على شيء ثم إنه * ( جعل لكم السمع والأبصار والأفئدة ) * ، خص هذه الأعضاء الثلاثة ، لشرفها ، وفضلها ، ولأنها مفتاح لكل علم ، فلا يصل للعبد علم ، إلا من أحد هذه الأبواب الثلاثة ، وإلا فسائر الأعضاء ، والقوى الظاهرة والباطنة ، هو الذي أعطاهم إياها ، وجعل ينميها فيهم ، شيئا فشيئا إلى أن يصل كل أحد إلى الحالة اللائقة به ، وذلك لأجل أن يشكروا الله ، باستعمال ما أعطاهم من هذه الجوارح ، في طاعة الله ، فمن استعملها في غير ذلك ، كانت حجة عليه ، وقابل النعمة بأقبح المعاملة . * ( ألم يروا إلى الطير مسخرات في جو السماء ما يمسكهن إلا الله إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون ) * أي : لأنهم المنتفعون بآيات الله ، المتفكرون فيما جعلت آية عليه ، وأما غيرهم ، فإن نظرهم نظر لهو ، وغفلة . ووجه الآية فيها ، أن الله تعالى خلقها بخلقة تصلح للطيران ، ثم سخر لها هذا الهواء اللطيف ثم أودع فيها من قوة الحركة وما قدرت به على ذلك ، وذلك دليل على حكمته ، وعلمه الواسع ، وعنايته الربانية بجميع مخلوقاته وكمال اقتداره ، تبارك الله رب العالمين . يذكر تعالى عباده بنعمه ، ويستدعي منهم شكرها ، والاعتراف بها فقال : * ( والله جعل لكم من بيوتكم سكنا وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا تستخفونها يوم ظعنكم ويوم إقامتكم ومن أصوافها وأوبارها وأشعارهآ أثاثا ومتاعا إلى حين * والله جعل لكم مما خلق ظلالا وجعل لكم من الجبال أكنانا وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر وسرابيل تقيكم بأسكم كذلك يتم نعمته عليكم لعلكم تسلمون * فإن تولوا فإنما عليك البلاغ المبين * يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها وأكثرهم الكافرون ) * * ( والله جعل لكم من بيوتكم سكنا ) * في الدور والقصور ونحوها ، تكنكم من الحر والبرد ، وتستركم ، أنتم وأولادكم ، وأمتعتكم ، وتتخذون فيه الغرف والبيوت ، التي هي لأنواع ، منافعكم ومصالحكم ، وفيها حفظ لأموالكم وحرمكم ، وغير ذلك من الفوائد المشاهدة . * ( وجعل لكم من جلود