عبد الرحمن بن ناصر السعدي
419
تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان
من واق ) * يقول تعالى : * ( أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت ) * بالجزاء العاجل والآجل ، بالعدل والقسط ، وهو : الله تبارك وتعالى ، كمن ليس كذلك ؟ ولهذا قال : * ( وجعلوا لله شركاء ) * وهو الله الأحد ، الفرد ، الصمد ، الذي لا شريك له ، ولا ند ولا نظير . * ( قل ) * لهم ، إن كانوا صادقين : * ( سموهم ) * لنعلم حالهم ، * ( أم تنبئونه بما لا يعلم في الأرض ) * فإنه إذا كان عالم الغيب والشهادة ، وهو لا يعلم له شريكا ، علم بذلك ، بطلان دعوى الشريك له وأنكم بمنزلة الذي يعلم الله أن له شريكا ، هو لا يعلمه ، وهذا أبطل ما يكون ، ولهذا قال : * ( أم بظاهر من القول ) * أي : غاية ما يمكن من دعوى الشريك له تعالى ، أنه بظاهر أقوالكم . وأما في الحقيقة ، فلا إله إلا الله ، وليس أحد من الخلق ، يستحق شيئا من العبادة ، * ( بل زين للذين كفروا مكرهم ) * الذي مكروه ، وهو كفرهم ، وشركهم ، وتكذيبهم لآيات الله ، * ( وصدوا عن السبيل ) * أي : عن الطريق ، المستقيمة ، الموصلة إلى الله ، وإلى دار كرامته ، * ( ومن يضلل الله فما له من هاد ) * لأنه ليس لأحد من الأمر شيء . * ( لهم عذاب في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أشق ) * من عذاب الدنيا ، لشدته ودوامه ، * ( وما لهم من الله من واق ) * يقيهم من عذابه ، فعذابه إذا وجهه إليهم ، لا مانع منه . * ( مثل الجنة التي وعد المتقون تجري من تحتها الأنهار أكلها دآئم وظلها تلك عقبى الذين اتقوا وعقبى الكافرين النار ) * يقول تعالى : * ( مثل الجنة التي وعد المتقون ) * الذين تركوا ما نهاهم الله عنه ، ولم يقصروا فيما أمرهم به ، أي : صفتها وحقيقتها * ( تجري من تحتها الأنهار ) * أنهار العسل ، وأنهار الخمر ، وأنهار اللبن ، وأنهار الماء التي تجري في غير أخدود ، فتسقي تلك البساتين ، والأشجار ، فتحمل جميع أنواع الثمار . * ( أكلها دائم وظلها ) * دائم أيضا ، * ( تلك عقبى الذين اتقوا ) * أي : مآلهم وعاقبتهم ، التي إليها يصيرون ، * ( وعقبى الكافرين النار ) * فكم بين الفريقين من الفرق المبين ؟ * ( والذين آتيناهم الكتاب يفرحون بما أنزل إليك ومن الأحزاب من ينكر بعضه قل إنما أمرت أن أعبد الله ولا أشرك به إليه أدعو وإليه مآب ) * يقول تعالى : * ( والذين آتيناهم الكتاب ) * أي : مننا عليهم به وبمعرفته ، * ( يفرحون بما أنزل إليك ) * فيؤمنون به ، ويصدقونه ، ويفرحون بموافقة الكتب بعضها لبعض ، وتصديق بعضها بعضا ، وهذه حال من آمن ، من أهل الكتاب ، * ( ومن الأحزاب من ينكر بعضه ) * أي : ومن طوائف الكفار المنحرفين عن الحق ، من ينكر بعض هذا القرآن ، ولا يصدقه . * ( فمن اهتدى فلنفسه ، ومن ضل فإنما يضل عليها ) * إنما أنت يا محمد منذر ، تدعو إلى الله ، * ( قل إنما أمرت أن أعبد الله ولا أشرك به ) * أي : بإخلاص الدين لله وحده ، * ( إليه أدعو وإليه مآب ) * أي : مرجعي الذي أرجع به إليه ، فيجازيني بما قمت به من الدعوة ، إلى دينه ، والقيام بما أمرت به . * ( وكذلك أنزلناه حكما عربيا ولئن اتبعت أهواءهم بعد ما جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا واق ) * أي : ولقد أنزلنا هذا القرآن والكتاب ، * ( حكما عربيا ) * ، أي : محكما متقنا ، بأوضح الألسنة ، وأفصح اللغات ، لئلا يقع فيه شك واشتباه ، وليوجب أن يتبع وحده ، ولا يداهن فيه ، ولا يتبع ما يضاده ويناقضه ، من أهواء الذين لا يعلمون . ولهذا توعد رسوله مع أنه معصوم ليمتن عليه بعصمته ، وليكون لأمته أسوة في الأحكام ، فقال : * ( ولئن اتبعت أهواءهم بعد ما جاءك من العلم ) * البين الذي ينهاك عن اتباع أهوائهم ، * ( ما لك من الله من ولي ) * يتولاك فيحصل لك الأمر المحبوب ، * ( ولا واق ) * يقيك من الأمر المكروه . * ( ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله لكل أجل كتاب * يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب ) * أي : لست أول رسول أرسل إلى الناس ، حتى يستغربوا رسالتك ، * ( ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية ) * فلا يعيبك أعداؤك ، بأن يكون لك أزواج وذرية ، كما كان لإخوانك المرسلين ، فلأي شيء يقدحون فيك بذلك وهم يعلمون أن الرسل قبلك كذلك ؛ إلا لأجل أغراضهم الفاسدة وأهوائهم ؟ وإن طلبوا منك آية اقترحوها ، فليس لك من الأمر شيء . * ( وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله ) * والله لا يأذن فيها إلا في وقتها الذي قدره وقضاه . * ( لكل أجل كتاب ) * لا يتقدم عليه ، ولا يتأخر عنه ، فليس استعجالهم بالآيات أو العذاب ، موجبا لأن يقدم الله ما كتب أنه يؤخر ، مع أنه تعالى فعال لما يريد . * ( يمحو الله ما يشاء ) * من الأقدار * ( ويثبت ) * ما يشاء منها ، وهذا المحو والتغيير ، في غير ما سبق به علمه ، وكتبه قلمه ، فإن هذا لا يقع فيه تبديل ولا تغيير ، لأن ذلك محال على الله ،