عبد الرحمن بن ناصر السعدي

420

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان

أن يقع في علمه نقص ، أو خلل ، ولهذا قال : * ( وعنده أم الكتاب ) * أي : اللوح المحفوظ ، الذي ترجع إليه سائر الأشياء ، فهو أصلها ، وهي فروع وشعب . فالتغيير والتبديل ، يقع في الفروع والشعب ، كأعمال اليوم والليلة ، التي تكتبها الملائكة ، ويجعل الله لثبوتها أسبابا ، ولمحوها أسبابا ، لا تتعدى تلك الأسباب ، ما رسم في اللوح المحفوظ ، كما جعل الله البر ، والصلة ، والإحسان ، من أسباب طول العمر ، وسعة الرزق ، وكما جعل المعاصي ، سببا لمحق بركة الرزق والعمر ، وكما جعل أسباب النجاة من المهالك والمعاطب ، سببا للسلامة . وجعل التعرض لذلك ، سببا للعطب ، فهو الذي يدبر الأمور ، بحسب قدرته وإرادته ، وما يدبره منها ، لا يخالف ما قد علمه وكتبه ، في اللوح المحفوظ . * ( وإن ما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب * أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها والله يحكم لا معقب لحكمه وهو سريع الحساب ) * يقول تعالى ، لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : لا تعجل عليهم ، بإصابة ما يوعدون من العذاب ، فهم إن استمروا على طغيانهم وكفرهم ، فلا بد أن يصيبهم ما وعدوا به ، إما * ( نرينك ) * إياه في الدنيا ، فتقر بذلك عينك . بل هي مبنية على القسط والعدل والحمد فلا يتعقبها أحد ، ولا سبيل إلى القدح فيها . * ( أو نتوفينك ) * قبل إصابتهم ، فليس ذلك شغلا لك * ( فإنما عليك البلاغ ) * والتبيين للخلق . * ( وعلينا الحساب ) * فنحاسب الخلق على ما قاموا به ، بما عليهم ، أو ضيعوه ، ونثيبهم أو نعاقبهم . ثم قال متوعدا للمكذبين : * ( أو لم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها ) * قيل بإهلاك المكذبين ، واستئصال الظالمين ، وقيل : بفتح بلدان المشركين ، ونقصهم في أموالهم وأبدانهم ، وقيل غير ذلك من الأقوال . والظاهر والله أعلم أن المراد بذلك ، أن أراضي هؤلاء المكذبين جعل الله يفتحها ويجتاحها ، ويحل القوارع بأطرافها ، تنبيها لهم قبل أن يجتاحهم النقص ، ويوقع الله بهم من القوارع ، ما لا يرده أحد ، ولهذا قال : * ( والله يحكم لا معقب لحكمه ) * ويدخل في هذا ، حكمه الشرعي ، والقدري ، والجزائي . فهذه الأحكام ، التي يحكم الله فيها ، توجد في غاية الحكمة والإتقان ، لا خلل فيها ولا نقص ، بل هي مبنية على القسط والعدل والحمد ، فلا يتعقبها أحد ولا سبيل إلى القدح فيها ، بخلاف حكم غيره ، فإنه قد يوافق الصواب ، وقد لا يوافقه . * ( وهو سريع الحساب ) * أي : فلا يستعجلوا بالعذاب ، فإن كل ما هو آت ، فهو قريب . * ( وقد مكر الذين من قبلهم فلله المكر جميعا يعلم ما تكسب كل نفس وسيعلم الكفار لمن عقبى الدار * ويقول الذين كفروا لست مرسلا قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب ) * يقول تعالى : * ( وقد مكر الذين من قبلهم ) * برسلهم ، وبالحق الذي جاءت به الرسل ، فلم يغن عنهم مكرهم ، ولم يصنعوا شيئا ، فإنهم يحاربون الله ويبارزونه ، * ( فلله المكر جميعا ) * أي : لا يقدر أحد أن يمكر مكرا إلا بإذنه ، وتحت قضائه وقدره . فإذا كانوا يمكرون بدينه ، فإن مكرهم سيعود عليهم بالخيبة والندم ، فإن الله * ( يعلم ما تكسب كل نفس ) * أي : همومها وإراداتها وأعمالها الظاهرة والباطنة . والمكر لا بد أن يكون من كسبها ، فلا يخفى على الله مكرهم ، فيمتنع أن يمكروا مكرا يضر الحق وأهله ، ويفيدهم شيئا ، * ( وسيعلم الكفار لمن عقبى الدار ) * أي : ألهم أو لرسله ؟ ومن المعلوم أن العاقبة للمتقين ، لا للكفر وأهله . * ( ويقول الذين كفروا لست مرسلا ) * أي : يكذبونك ، ويكذبون ما أرسلت به ، * ( قل ) * لهم إن طلبوا على ذلك شهيدا : * ( كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ) * وشهادته بقوله وفعله وإقراره . أما قوله ، فيما أوحاه الله إلى أصدق خلقه ، مما يثبت به رسالته . وأما فعله ، فلأن الله تعالى أيد رسوله ، ونصره نصرا خارجا عن قدرته وقدرة أصحابه وأتباعه ، وهذا شهادة منه له بالفعل والتأييد . وأما إقراره ، فإنه أخبر الرسول عنه ، أنه رسول ، وأنه أمر الناس باتباعه . فمن اتبعه ، فله رضوان الله وكرامته ، ومن لم يتبعه ، فله النار والسخط ، وحل له ماله ودمه ، والله يقره على ذلك ، فلو تقول عليه بعض الأقاويل ، لعاجله بالعقوبة . * ( ومن عنده علم الكتاب ) * وهذا شامل لكل علماء أهل الكتابين ، فإنهم يشهد منهم للرسول ، من آمن ، واتبع الحق ، فصرح بتلك الشهادة التي عليه . ومن كتم ذلك ، فإخبار الله عنه ، أن عنده شهادة ، أبلغ من خبره ، ولو لم يكن عنده شهادة ، لرد استشهاده بالبرهان ، فسكوته يدل على أن عنده شهادة مكتومة . وإنما أمر الله باستشهاد أهل الكتاب ، لأنهم أهل هذا الشأن ، وكل أمر ، إنما يستشهد فيه أهله ، ومن هم أعلم به من غيرهم ، بخلاف من هو أجنبي عنه ، كالأميين ، من مشركي العرب وغيرهم ، فلا فائدة في