عبد الرحمن بن ناصر السعدي

271

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان

ولا يفعلوا كما يفعله أهل الجاهلية ، من تحريم كثير من الحلال ، ابتداعا من عند أنفسهم ، وإضلالا من شياطينهم . فذكر الله ، أن علامة المؤمن ، مخالفة أهل الجاهلية ، في هذه العادة الذميمة ، المتضمنة لتغيير شرع الله ، وأنه ، أي شيء يمنعهم من أكل ما ذكر اسم الله عليه ، وقد فصل الله لعباده ما حرم عليهم ، وبينه ووضحه ؟ فلم يبق فيه إشكال ولا شبهة ، توجب أن يمتنع من أكل بعض الحلال ، خوفا من الوقوع في الحرام . ودلت الآية الكريمة ، على أن الأصل في الأشياء والأطعمة ، الإباحة . وأنه ، إذا لم يرد الشرع بتحريم شيء منها ، فإنه باق على الإباحة . فما سكت الله عنه ، فهو حلال ، لأن الحرام قد فصله الله ، فما لم يفصله الله ، فليس بحرام . ومع ذلك ، فالحرام الذي قد فصله الله وأوضحه ، قد أباحه عند الضرورة والمخمصة ، كما قال تعالى : * ( حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير ) * إلى أن قال : * ( فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم ) * . ثم حذر عن كثير من الناس ، فقال : * ( وإن كثيرا ليضلون بأهوائهم ) * أي : بمجرد ما تهوى أنفسهم * ( بغير علم ) * ولا حجة . فليحذر العبد من أمثال هؤلاء ، وعلامتهم كما وصفهم الله لعباده أن دعوتهم ، غير مبنية على برهان ، ولا لهم حجة شرعية . وإنما يوجد لهم شبه ، بحسب أهوائهم الفاسدة ، وآرائهم القاصرة . فهؤلاء ، معتدون على شرع الله ، وعلى عباد الله ، والله لا يحب المعتدين . بخلاف الهادين المهتدين ، فإنهم يدعون إلى الحق والهدى ، ويؤيدون دعوتهم بالحجج العقلية والنقلية ، ولا يتبعون في دعوتهم إلا رضا ربهم ، والقرب منه . * ( وذروا ظاهر الإثم وباطنه إن الذين يكسبون الإثم سيجزون بما كانوا يقترفون ) * المراد بالإثم : جميع المعاصي ، التي تؤثم العبد ، أي : توقعه في الإثم ، والحرج ، من الأشياء المتعلقة بحقوق الله ، وحقوق عباده . فنهى الله عباده ، عن اقتراف الإثم الظاهر والباطن . أي : السر والعلانية ، المتعلقة بالبدن والجوارح ، والمتعلقة بالقلب . ولا يتم للعبد ، ترك المعاصي الظاهرة والباطنة ، إلا بعد معرفتها ، والبحث عنها . فيكون البحث عنها ، ومعرفة معاصي القلب ، والبدن ، والعلم بذلك ، واجبا متعينا على المكلف . وكثير من الناس ، يخفى عليه كثير من المعاصي ، خصوصا ، معاصي القلب ، كالكبر ، والعجب ، والرياء ، ونحو ذلك . حتى إنه يكون به كثير منها ، وهو لا يحس به ولا يشعر ، وهذا من الإعراض عن العلم ، وعدم البصيرة . ثم أخبر تعالى ، أن الذين يكسبون الإثم الظاهر والباطن ، سيجزون على حسب كسبهم ، وعلى قدر ذنوبهم ، قلت أو كثرت . وهذا الجزاء يكون في الآخرة . وقد يكون في الدنيا ، يعاقب العبد ، فيخفف عنه بذلك ، من سيئاته . * ( ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون ) * ويدخل تحت هذا المنهي عنه ، ما ذكر عليه اسم غير الله ، كالذي يذبح للأصنام ، وآلهة المشركين . فإن هذا ، مما أهل لغير الله به ، المحرم بالنص عليه خصوصا . ويدخل في ذلك ، متروك التسمية ، مما ذبح لله ، كالضحايا ، والهدايا ، أو للحم والأكل ، إذا كان الذابح متعمدا ترك التسمية ، عند كثير من العلماء . ويخرج من هذا العموم ، الناسي بالنصوص الأخر ، الدالة على دفع الحرج عنه . ويدخل في هذه الآية ، ما مات بغير ذكاة من الميتات ، فإنها مما لم يذكر اسم الله عليه . ونص الله عليها بخصوصها ، في قوله : * ( حرمت عليكم الميتة ) * ولعلها سبب نزول الآية ، لقوله : * ( وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم ) * بغير علم . فإن المشركين حين سمعوا تحريم الله ورسوله الميتة ، وتحليله للمذكاة ، وكانوا يستحلون أكل الميتة قالوا معاندة لله ورسوله ، ومجادلة بغير حجة ولا برهان أتأكلون ما قتلتم ، ولا تأكلون ما قتل الله ؟ يعنون بذلك : الميتة . وهذا رأي فاسد ، لا يستند على حجة ولا دليل بل يستند إلى آرائهم الفاسدة التي لو كان الحق تبعا لها ، لفسدت السماوات والأرض ، ومن فيهن . فتبا لمن قدم هذه العقول ، على شرع الله وأحكامه ، الموافقة للمصالح العامة ، والمنافع الخاصة . ولا يستغرب هذا منهم ، فإن هذه الآراء وأشباهها ، صادرة عن وحي أوليائهم من الشياطين ، الذين يريدون أن يضلوا الخلق عن دينهم ، ويدعوهم ليكونوا من أصحاب السعير . * ( وإن أطعتموهم ) * في شركهم ، وتحليلهم الحرام ، وتحريمهم الحلال * ( إنكم لمشركون ) * لأنكم اتخذتموهم أولياء من دون الله ، ووافقتموهم على ما به فارقوا المسلمين ، فلذلك كان طريقكم ، طريقهم . ودلت هذه الآية الكريمة ، على أن ما يقع في القلوب ، من الإلهامات ، والكشوف ، التي يكثر وقوعها عند الصوفية ونحوهم ، لا تدل بمجردها على أنها حق ، ولا تصدق حتى تعرض على كتاب الله وسنة رسوله . فإن شهدا لها بالقبول ، قبلت ، وإن ناقضتهما ، ردت ، وإن لم يعلم شيء من ذلك ، توقف فيها ، ولم تصدق ، ولم تكذب . لأن الوحي والإلهام ، يكون من الشيطان ، فلا بد من التمييز بينهما والفرقان . وبعدم التفريق بين الأمرين ، حصل من الغلط والضلال ، ما لا يحصيه إلا الله . * ( أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها كذلك زين للكافرين ما