عبد الرحمن بن ناصر السعدي

272

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان

كانوا يعملون * وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها وما يمكرون إلا بأنفسهم وما يشعرون * وإذا جآءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله الله أعلم حيث يجعل رسالته سيصيب الذين أجرموا صغار عند الله وعذاب شديد بما كانوا يمكرون ) * يقول تعالى : * ( أو من كان ) * من قبل هداية الله له * ( ميتا ) * في ظلمات الكفر ، والجهل ، والمعاصي . * ( فأحييناه ) * بنور العلم والإيمان والطاعة ، فصار يمشي بين الناس في النور ، متبصرا في أموره ، مهتديا لسبيله ، عارفا للخير ، مؤثرا له ، مجتهدا في تنفيذه في نفسه وغيره ، عارفا بالشر ، مبغضا له ، مجتهدا في تركه وإزالته عن نفسه وعن غيره . فيستوي هذا بمن هو في الظلمات ، ظلمات الجهل والغي ، والكفر والمعاصي . * ( ليس بخارج منها ) * قد التبست عليه الطرق ، وأظلمت عليه المسالك ، فحضره الهم والغم والحزن والشقاء . فنبه تعالى ، العقول بما تدركه وتعرفه ، أنه لا يستوي هذا ولا هذا كما لا يستوي الليل والنهار ، والضياء والظلمة ، والأحياء والأموات . فكأنه قيل : فكيف يؤثر من له أدنى مسكة من عقل ، أن يكون بهذه الحالة ، وأن يبقى في الظلمات متحيرا : فأجاب بأنه * ( زين للكافرين ما كانوا يعملون ) * فلم يزل الشيطان يحسن لهم أعمالهم ، ويزينها في قلوبهم ، حتى استحسنوها ، ورأوها حقا . وصار ذلك عقيدة في قلوبهم ، وصفة راسخة ملازمة لهم . فلذلك رضوا بما هم عليه من الشر والقبائح . وهؤلاء الذين في الظلمات يعمهون ، وفي باطلهم يترددون ، غير متساوين . فمنهم : القادة ، والرؤوساء ، والمتبوعون ، ومنهم : التابعون المرؤوسون . والأولون ، منهم الذين فازوا بأشقى الأحوال ، ولهذا قال : * ( وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ) * أي : الرؤوساء الذين قد كبر جرمهم ، واشتد طغيانهم * ( ليمكروا فيها ) * بالخديعة والدعوة إلى سبيل الشيطان ، ومحاربة الرسل وأتباعهم ، بالقول والفعل . وإنما مكرهم وكيدهم ، يعود على أنفسهم ، لأنهم يمكرون ، ويمكر الله ، والله خير الماكرين . وكذلك يجعل الله كبار أئمة الهدى وأفاضلهم ، يناضلون هؤلاء المجرمين ، ويردون عليهم أقوالهم ويجاهدونهم في سبيل الله ، ويسلكون بذلك السبل الموصلة إلى ذلك ، ويعينهم الله ، ويسدد رأيهم ، ويثبت أقدامهم ، ويداول الأيام بينهم وبين أعدائهم ، حتى يدول الأمر في عاقبته ، بنصرهم وظهورهم ، والعاقبة للمتقين . وإنما ثبت أكابر المجرمين على باطلهم ، وقاموا برد الحق الذي جاءت به الرسل ، حسدا منهم وبغيا ، فقالوا : * ( لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله ) * من النبوة والرسالة . وفي هذا اعتراض منهم على الله ، وعجب بأنفسهم ، وتكبر على الحق الذي أنزله على أيدي رسله ، وتحجر على فضل الله وإحسانه . فرد الله عليهم اعتراضهم الفاسد ، وأخبر أنهم لا يصلحون للخير ، ولا فيهم ما يوجب أن يكونوا من عباد الله الصالحين ، فضلا عن أن يكونوا من النبيين والمرسلين . فقال : * ( الله أعلم حيث يجعل رسالته ) * فيمن علمه يصلح لها ، ويقوم بأعبائها ، وهو متصف بكل خلق جميل ، ومتبرىء من كل خلق دنيء ، أعطاه الله ما تقتضيه حكمته أصلا وتبعا . ومن لم يكن كذلك ، لم يضع أفضل مواهبه ، عند من لا يستأهله ، ولا يزكو عنده . وفي هذه الآية ، دليل على كمال حكمة الله تعالى ، لأنه ، وإن كان تعالى رحيما ، واسع الجود ، كثير الإحسان ، فإنه حكيم لا يضع جوده إلا عند أهله . ثم توعد المجرمين فقال : * ( سيصيب الذين أجرموا صغار عند الله ) * أي : إهانة وذل ، كما تكبروا على الحق ، أذلهم الله . * ( وعذاب شديد بما كانوا يمكرون ) * أي : بسبب مكرهم ، لا ظلما منه تعالى . * ( فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون ) * يقول تعالى مبينا لعباده علامة سعادة العبد وهدايته ، وعلامة شقاوته وضلاله : إن من انشرح صدره للإسلام ، أي : اتسع وانفسح ، فاستنار بنور الإيمان ، وحيي بضوء اليقين ، فاطمأنت بذلك نفسه ، وأحب الخير ، وطوعت له نفسه فعله ، متلذذا به غير مستثقل فإن هذا ، علامة ، على أن الله قد هداه ، ومن عليه بالتوفيق ، وسلوك أقوم الطريق . وأن علامة من يرد الله أن يضله ، أن يجعل صدره ضيقا حرجا . أي : في غاية الضيق عن الإيمان والعلم واليقين . قد انغمس قلبه في الشبهات والشهوات ، فلا يصل إليه خير ، ولا ينشرح قلبه لفعل الخير كأنه من ضيقه وشدته ، يكاد يصعد في السماء ، أي : كأنه يكلف الصعود إلى السماء ، الذي لا حيلة فيه . وهذا سببه ، عدم إيمانهم ، فهو الذي أوجب أن يجعل الله الرجس عليهم ، لأنهم سدوا على أنفسهم باب الرحمة والإحسان . وهذا ميزان لا يعول ، وطريق لا يتغير . فإن من أعطى واتقى ، وصدق بالحسنى ، ييسره الله لليسرى . ومن بخل واستغنى وكذب بالحسنى ،