الشنقيطي

25

أضواء البيان

وقد أطال السيوطي في المزهر الكلام في هذه المسألة ، نقلاً عن ابن فارس الشدياقي . وعن العسكري عن الأوائل في ذلك أقوال ، فقيل إسماعيل ، وقيل : مرار بن مرة ، وهما من أهل الأنبار ، وفي ذلك يقول الشاعر : وعن العسكري عن الأوائل في ذلك أقوال ، فقيل إسماعيل ، وقيل : مرار بن مرة ، وهما من أهل الأنبار ، وفي ذلك يقول الشاعر : * كتبت أبا جاد وخطى مرامر * وسورت سربالي ولست بِكاتب * وقيل : أول من وضعه أبجد ، وهوز وحطي ، وكلمن ، وصعفص ، وقرشت ، وكانوا ملوكاً فسمي الهجاء بأسمائهم . وذكر عن الحافظ أبي طاهر السلفي بسنده عن الشعبي قال : أول من كتب بالعربية حرب بن أمية بن عبد شمس ، تعلّم من أهل الحيرة ، وتعلم أهل الحيرة من أهل الأنبار . وقال أبو بكر بن أبي داود في كتاب المصاحف : حدثنا عبد اللَّه بن محمد الزهري حدثنا سفيان عن مجالد عن الشعبي قال : سألنا المهاجرين من أين تعلمتم الكتابة ؟ قالوا : تعلمنا من أهل الحيرة ، وسألنا أجل الحيرة : من أين تعلمتم الكتابة ؟ قالوا : من أهل الأنبار ، ثم قال ابن فارس : والذي نقوله إن : الخط توقيفي ، وذلك لظاهر قوله تعالى : * ( الَّذِى عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ) * . وقوله : * ( ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ ) * . وإذا كان هذا فليس ببعيد ، أن يوقف الله آدم أو غيره من الأنبياء عليهم السلام على الكتابة ، فأما أن يكون شيئًا مخترعًا اخترعه من تلقاء نفسه ، فهذا شيء لا نعلم صحته إلاَّ من خبر صحيح . قال السيوطي : قلت يؤيد ما قاله من التوقيف ، ما أخرجه ابن شقة من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : ( أول كتاب أنزله الله من السماء أبا جاد ) . وأخرج الإمام أحمد في مسنده عن أبي ذر ، أن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال : ( أول من خط بالقلم إدريس عليه السلام ) . ا ه . وقد أطال النقول في ذلك مما يرجع إلى الأول ، وليس فيه نقل صحيح يقطع به . وقد أوردنا هذه النبذة بخصوص كلام ابن فارس ، من أن تعليم الكتابة أمر توقيفي ، وما استدل به السيوطي من أول كتاب أنزله الله من السماء ، فإن في القرآن ما يشهد لإمكان ذلك ، وهو أن الله تعالى أنزل الصحف لموسى مكتوبة . وفي الحديث ( إن الله كتب الألواح لموسى بيده ، وغرس جنة عدن بيده ) . وإذا كان موسى تلقى ألواحاً مكتوبة ، فلا بد أن تكون الكتابة معلومة له قبل إنزالها ، وإلاَّ لما عرفها . أما المشهور في الأحرف التي نكتب بها الآن ، فكما قال السيوطي في المزهر ، ونقله عنه صاحب المطالع المصرية ما نصه : المشهور عند أهل العلم ما رواه ابن الكلبي عن عوانة ، قال : أول من كتب بخطنا هذا . وهو الجزم مرامر بن مرة ، وأسلم بن سدرة ، وعامر بن حدرة . كما في القاموس . وهم من عرب طيء تعلموه من كتاب الوحي لسيدنا هود عليه السلام ، ثم علّموه أهل الأنبار ، ومنهم انتشرت الكتابة في العراق والحيرة وغيرها ، فتعلمها بشر بن عبد الملك أخو أكيدر بن عبد الملك صاحب دومة الجندل ، وكانت له صحبة بحرب بن أمية فتعلم حرب منه ، ثم سافر معه بشر إلى مكة فتزوج الصهباء بنت حرب أخت أبي سفيان . فتعلم منه جماعة من أهل مكة . فبهذا كثر من يكتب بمكة من قريش قبيل الإسلام . ولذا قال رجل كندي من أهل دومة الجندل ، يمن على قريش بذلك : ولذا قال رجل كندي من أهل دومة الجندل ، يمن على قريش بذلك : * لا تجحدوا نعماء بشر عليكم * فقد كان مَيمون النقيبة أزهرا * * أتاكم بخط الجزم حتى حفظتموا * من المال ما قد كان شتى مبعثرا * * وأتقنتموا ما كان بالمال مهملا * وطأمنتموا ما كان منه مبقرا * * فأجريتم الأقلام عوداً وبدأة * وضاهيتم كتاب كسرى وقيصرا * * وأغنيتم عن مسند إلى حميرا * وما زبرت في الصحف أقلام حميرا * قال : وكذلك ذكر النووي في شرح مسلم نقل عن الفراء ، أنه قال : إنما كتبوا الربا في المصحف بالواو ، لأن أهل الحجاز تعلموا الخط من أهل الحيرة ، ولغتهم الربوا ، فعلموهم صورة الخط على لغتهم . ا ه .