الشنقيطي

26

أضواء البيان

تنبيه آخر * ( الَّذِى عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ) * ، لا يمنع تعليمه تعالى بغير القلم ، كما في قصة الخضر مع موسى عليه السلام في قوله تعالى : * ( فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَآ ءَاتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا ) * . وكما في حديث ( نفث في روعي أنه لن تموت نفس ، حتى تستكمل رزقها وأجلها ) الحديث . وكما في حديث الرقية بالفاتحة لمن لدغته العقرب في قصة السرية المعروفة ، فلما سأله صلى الله عليه وسلم ( وما يدريك أنها رقية ؟ قال : شيء نفث في روعي ) . وحديث علي لما سئل ( هل خصكم رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بعلم ؟ قال : لا ، إلا فهماً يؤتيه الله من شاء في كتابه . وما في هذه الصحيفة ) . وقوله : واتقوا الله ويعلمكم اللَّه . نسأل الله علم ما لم نعلم ، والعلم بما نعلم . وباللَّه التوفيق . * ( كَلاَّ إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَن رَّءَاهُ اسْتَغْنَى ) * . ظاهر هذه الآية أن الاستغناء موجب للطغيان عند الإنسان ، ولفظ الإنسان هنا عام ، ولكن وجدنا بعض الإنسان يستغني ولا يطغى ، فيكون هذا من العام المخصوص ، ومخصصه إما من نفس الآية أو من خارج عنها ، ففي نفس الآية ما يفيده قوله تعالى : * ( أَن رَّءَاهُ ) * ، أي إن رأي الإنسان نفسه ، وقد يكون رأياً واهماً ويكون الحقيقة خلاف ذلك ، ومع ذلك يطغى ، فلا يكون الاستغناء هو سبب الطغيان . ولذا جاء في السنة : ذم العائل المتكبر ، لأنه مع فقره يرى نفسه استغنى ، فهو معنى في نفسه لا بسبب غناه . أما من خارج الآية ، فقد دل على هذا المعنى قوله تعالى : * ( فَأَمَّا مَن طَغَى * وَءاثَرَ الْحَيَواةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِىَ الْمَأْوَى ) * ، فإيثار الحياة الدنيا هو موجب الطغيان ، وكما في قوله : * ( الَّذِى جَمَعَ مَالاً وَعَدَّدَهُ يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ كَلاَّ ) * .