الشنقيطي
40
أضواء البيان
أحمد . ثانيها : الندب ، لرجحان الفعل على الترك ، وهو قول بعض الشافعية ، ورواية عن أحمد أيضاً . ثالثها : الإباحة ، لأنها المتيقن ، ولكن هذا فيما لا قربة فيه ، إذ القرب لا توصف بالإباحة . رابعها : التوقف ، لعدم معرفة المراد ، وهو قول المعتزلة ، وهذا أضعف الأقوال ، لأن التوقف ليس فيه تأس . فتحصل لنا من هذه الأقوال الأربعة أن الصحيح الفعل تأسياً برسول الله صلى الله عليه وسلم وجوباً أو ندباً ، ومثلوا لهذا الفعل بخلعه صلى الله عليه وسلم نعله في الصلاة ، فخلع الصحابة كلهم نعالهم ، فلما انتهى صلى الله عليه وسلم سألهم عن خلعهم نعالهم قالوا : رأيناك فعلت ففعلنا ، فقال لهم : ( أتاني جبريل وأخبرني أن في نعلي أذى فخلعتها ) ، فإنه أقرهم على خلعهم تأسياً به . ولم يعب عليهم مع أنهم لم يعلموا الحكم قبل إخباره إياهم . وقد جاء هنا * ( وَمَآ ءَاتَاكُمُ ) * بصيغة العموم . وقال الشيخ رحمه الله في دفع الإيهام في سورة الأنفال عند قوله تعالى : * ( يأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ) * ، ما نصه : وهذه الآية تدل بظاهرها على أن الاستجابة للرسول التي هي طاعته لا تجب إلا إذا دعانا لما يحيينا ، ونظيرها قوله تعالى : * ( وَلاَ يَعْصِينَكَ فِى مَعْرُوفٍ ) * . وقد جاء في آيات أخر ما يدل على وجوب اتباعه مطلقاً من غير قيد ، كقوله : * ( وَمَآ ءَاتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُواْ ) * وقوله : * ( قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِى يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ ) * ، * ( مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ) * . والظاهر : أن وجه الجمع والله تعالى أعلم : أن آيات الإطلاق مبينة أنه صلى الله عليه وسلم لا يدعونا إلا لما يحيينا من خيري الدنيا والآخرة ، فالشرط المذكور في قوله : * ( إِذَا دَعَاكُمْ ) * متوفر في دعاء النَّبي صلى الله عليه وسلم لمكان عصمته ، كما دل عليه قوله تعالى : * ( وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْىٌ يُوحَى ) * . والحاصل : أن آية * ( إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ) * مبينة أنه لا طاعة إلا لمن يدعو إلى ما يرضي الله ، وأن الآيات الأخر بينت أن النَّبي صلى الله عليه وسلم لا يدعو أبداً إلا إلى ذلك ، صلوات